القول السادس: أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجمل(١)

(١) _ حساب الجُمَّل بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة هو جعل أعداد لكل حرف من حروف المعجم من آحاد وعشرات ومئات وألف واحد، فإذا أريد خط رقم حسابي وُضِع الحرف عوضاً عن الرقم وقد كان هذا الاصطلاح قديماً ووسمت به عدة أناشيد من كتاب داود، واشتهر ترقيم التاريخ به عند الرومان ولعله نقل إلى العرب منهم أو من اليهود. انتهى كلام ابن عاشور.
ومما يزيد حساب الجمَّل وضوحاً أن يقال:
هذا النوع من الحساب يسمى بـ: (التاريخ الشعري) أو (حساب الجُمَّل) أما طريقة حسابه فتعتمد على ترتيب حروف الهجاء الترتيب الأبجدي لا الترتيب الألفبائي الذي نستخدمه، والترتيب الأبجدي كما يلي: أبجد، هوز، حُطي، كَلَمُن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ.
وكل حرف من هذه الحروف له قيمة عددية وهي كالتالي:
آحاد... عشرات... مئات
أ=١... ي=١٠... ق=١٠٠
ب=٢... ك=٢٠... ر=٢٠٠
ج=٣... ل=٣٠... ش=٣٠٠
د=٤... م=٤٠... ت=٤٠٠
هـ=٥... ن=٥٠... ث=٥٠٠
و=٦... س=٦٠... خ=٦٠٠
ز=٧... ع=٧٠... ذ=٧٠٠
ح=٨... ف=٨٠... ض=٨٠٠
ط=٩... ص=٩٠... ظ=٩٠٠
غ=١٠٠٠
وقد اشترط أصحاب هذا الفن عدة شروط لضبطه وحسن استخدامه منها:
أن يتقدم على ألفاظه كلمة أرّخ أو أرّخوا، أو ما يدل على التاريخ، وإذا تصرف الشاعر في تقديم أو تأخير أو زيادة بعد لفظة (التاريخ) أشار إلى ذلك؛ لئلا يستغلق على القارئ.
ومن شروطه ألا يكون التاريخ في بيتين، بل في بيت واحد، ويستحسن أن يكون في عجز البيت لا في صدره.
ومن الأمثلة على ذلك قول ابن المبلط يؤرخ جلوس السلطان سليم الثاني سنة ٩٧٤ هـ:
ودولة ملك قلت فيها مؤرخاً... بعز وتأييد ونصر وسلطان
تولى مليك العصر وابن مليكه... =سليم تولى الملك بعد سليمان+
ولو حسبنا جمل قوله: =سليم تولى الملك بعد سليمان+ لوجدناه يساوي =٩٧٤+ وهو تاريخ جلوسه على العرش.
= ومن شروطه أن تحسب الحروف على صورتها الكتابية لا حسب لفظها، فألف (فتى) تحسب ياءً، وتاء (التأنيث المنقطة) تحسب تاءً، و(غير المنقطة) تحسب هاءً، والحرف (المشدد) يحسب واحداً، و(الهمزة الواقعة على السطر) لا تحسب شيئاً كما أن (ألف الإطلاق) تعد ألفاً.
وبعض الشعراء يتفنن في هذا تفنُّنَاً ويأتي بما يشبه المعجزات، ومن ذلك أن بعضهم أرَّخ عُرساً جَرى بحلب، فجعلَ جُمّل الحروف المهملة في البيت الأخير تاريخ العرس، وهو سنة ١١٣٠هـ، وجعل الحروف المعجمة في البيت ذاتِه التاريخَ نفسَه، وأضاف إلى ذلك ذكر التاريخ صراحة، والأبيات هي:
أيها الكامل يا من أخبرت... في علاه فئة بعد فئه
خذ تواريخاً ثلاثاً جمعت... لك في مفرد بيت منبئه
بصريح وحروف أعجمت... وحروف أهملت مختبئه
عم حول وسرور العرس وهـ... وثلاثون وألف ومئه
ونظم البهلول بيتين جعل التاريخ في كل شطر، بل جعل التاريخ مكرراً في الشطر الواحد، حتى إنه كرر التاريخ ثماني مرات في البيتين وهما:
أهديك مدحاً بليغاً... يا سني غداً... بحر الفتوحات... باهي الفضل والمنن
١١٣٦... ١١٣٦... ١١٣٦... ١١٣٦
ألفاظه كنجوم... فهي تشرق ما... بدا سنا بدرها... أرخه عبد غني
١١٣٦... ١١٣٦... ١١٣٦... ١١٣٦

٦_ [وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ].
وهذا مبدأ المقصود من الانتقال إلى حكم إبطال التبني، ودَحْضِ ما بناه المنافقون على أساسه الباطل؛ بناءً على كفر المنافقين الذين غمزوا مغامز في قضية تزوج رسول الله " زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة فقالوا: تزوج حليلة ابنه، وقد نهى عن تزوج حلائل الأبناء؛ ولذلك ختمت هذه القصة وتوابعها بالثناء على المؤمنين بقوله: [هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ] الآية، وبالإعراض عن المشركين والمنافقين، وعن أذاهم. ٢٢/٢٩
٧_ واعلم أن المأثور الصحيح في هذه الحادثة: أن زيد بن حارثة بقيت عنده زينب سنين؛ فلم تلد له، فكان إذا جرى بينه وبينها ما يجري بين الزوجين تارة من خلاف أدلت عليه بسؤددها، وغضَّت منه بولايته، فلما تكرر ذلك عزم على أن يطلقها، وجاء يعلم رسول الله " بعزمه على ذلك؛ لأنه تزوجها من عنده.
وروي عن علي زين العابدين: أن الله أوحى إلى النبي"أنه سينكح زينب بنت جحش.
وعن الزهري: نزل جبريل على النبي"يعلمه أن الله زوجه زينب بنت جحش، وذلك هو ما في نفسه.
وذكر القرطبي أنه مختار بكر بن العلاء القشيري(١)وأبي بكر بن العربي.
والظاهر عندي: أن ذلك كان في الرؤيا كما أرى أنه قال لعائشة: =أتاني بك الملك في المنام في سرقة من حرير يقول لي: هذه امرأتك، فأكشف، فإذا هي أنت فأقول: إن يكن هذا من عند الله يُمضِه+.
(١) _ هو من المالكية، توفي سنة ٣٤٤، ترجمته في المدارك.


الصفحة التالية
Icon