قاله أبوالعالية: أخذاً بقصة رواها ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله بن وثاب قال: =جاء أبو ياسر بن أخطب، وحيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف فسألوا رسول الله عن (الم) وقالوا: هذا أجل هذه الأمة من السنين إحدى وسبعون سنة، فضحك رسول الله وقال لهم (ص) و(المر) فقالوا: اشتبه علينا الأمر، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير+ اهـ.
وليس في جواب رسول الله إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقرير لاعتبارها رموزاً لأعداد مدة هذه الأمة، وإنما أراد إبطال ما فهموه بإبطال أن يكون مفيداً لزعمهم على نحو الطريقة المسماة بالنقض في الجدل، ومرجعها إلى المنع، والمانع لا مذهب له، وأما ضحكه"فهو تعجب من جهلهم.
القول السابع: أنها رموز كل حرف رمز إلى كلمة فنحو [الم] أنا الله أعلم، و [المر] أنا الله أرى، و [المص] أنا الله أعلم وأَفْصل، رواه أبو الضحى عن ابن عباس، ويوهنه أنه لا ضابط له؛ لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرف أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة أو آخرها، ونَظَّروه بأن العرب قد تتكلم بالحروف المقطعة بدلاً من كلمات تتألف من تلك الحروف نظماً ونثراً، من ذلك قول زهير:
بالخير خيرات وإن شرٌّ فَا... ولا أريد الشر إلا أنْ تا
أراد وإن شر فشر، وأراد إلا أن تَشا، فأتى بحرف من كل جملة، وقال الآخر قرطبي:
ناداهم ألا الجموا ألا تا... قالوا جميعاً كلهم ألا فا
أراد بالحرف الأول ألا تركبون، وبالثاني ألا فاركبوا.
وقال الوليد بن المغيرة عامل عثمان يخاطب عدي بن حاتم:
قلت لها قفي لنا قالت قاف... لا تَحْسِبَنِّي قد نسيت الإيجاف(١)

(١) _ يوجد في أكثر الكتب قلت لها قفي فقالت قاف، وهو مشتمل على زحاف ثقيل، وفي بعض نسخ البيضاوي: فقالت لي، وهي مصححة، وفي الخصائص لابن جني: قلت قفي لنا قالت قاف، وبعد هذا البيت:... وعزف قينات علينا عزاف
٠@والنشوات من معتق صاف

فقول النبي"لزيد: [أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ] توفية بحق النصيحة، وهو أمر نصح، وإشارة بخير لا أمر تشريع؛ لأن الرسول _ عليه الصلاة والسلام _ في هذا المقام متصرفٌ بحقِّ الولاء والصحبة لا بصفة التشريع والرسالة، وأداء هذه الأمانة لا يتأكد أنه كان يعلم أن زينبَ صائرةٌ زوجاً له؛ لأن علم النبي بما سيكون لا يقتضي إجراءه، وإرشاده، أو تشريعه بخلاف علمه أو ظنه؛ فإن النبي"كان يعلم أن أبا جهل _مثلاً_ لا يُؤْمِن ولم يمنعه ذلك أن يبلِّغه الرسالة، ويعاوده الدعوة، ولأن رغبته في حصول شيء لا تقتضي إجراء أمره على حسب رغبته إن كانت رغبته تخالف ما يحمل الناس عليه، كما كان يرغب أن يقوم أحد يقتل عبدالله بن سعد بن أبي سرح قبل أن يسمع إعلانه بالتوبة من ارتداده حين جاء به عثمان بن عفان يوم الفتح تائباً.
ولذلك كلِّه لا يعد تصميم زيد على طلاق زينب عصياناً للنبي"لأن أمره في ذلك كان على وجه التوفيق بينه وبين زوجه، ولا يلزم أحداً المصيرُ إلى إشارة المشير كما اقتضاه حديث بريرة مع زوجها مغيث إذ قال لها: =لو رَاجَعْتِهِ؟ فقالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: لا إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه+. ٢٢/٣١_٣٢
٨_ وقد رُوِيَتْ في هذه القصة أخبار مخلوطة؛ فإياك أن تتسرب إلى نفسك منها أغلوطة؛ فلا تُصْغِ ذِهْنَكَ إلى ما ألصقه أهل القصص بهذه الآية من تبسيط في حال النبي " حين أمر زيداً بإمساك زوجه؛ فإن ذلك من مختلقات القصاصين، فإما أن يكون ذلك اختلافاً من القصاص؛ لتزيين القصة، وإما أن يكون كله أو بعضه من أراجيف المنافقين وبهتانهم فتلقفه القصاص وهو الذي نجزم به.
ومما يدل لذلك أنك لا تجد فيما يؤثر من أقوال السلف في تفسير هذه الآية أثراً مسنداً إلى النبي"أو إلى زيد، أو إلى زينب، أو إلى أحد من الصحابة رجالِهم ونسائهم، ولكنها قَصَصٌ وأخبارٌ وقيل وقال.


الصفحة التالية
Icon