القول الثامن: أنها إشارات إلى أحوال من تزكية القلب، وجعلها في الفتوحات(١) في الباب الثاني إيماءً إلى شعب الإيمان، وحاصله أن جملة الحروف الواقعة في أوائل سور القرآن على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً، والثمانية هنا هي حقيقة البضع حصل له ذلك بالكشف، فيكون عدد الحروف ثمانية وسبعين، وقد قال النبي": =الإيمان بضع وسبعون شعبة+.
فهذه الحروف هي شعب الإيمان، ولا يكمل لأحد أسرار الإيمان؛ حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها.
وكيف يزعم زاعم أنها واردة في معان غير معروفة مع ثبوت تلقي السامعين لها بالتسليم من مؤمن ومعاند.
ولولا أنهم فهموا منها معنى معروفاً دلت عليه القرائن لسأل السائلون، وتورك المعاندون.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: =لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولاً متداولاً بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي"بل تلا عليهم (حم) فصلت و (ص) وغيرهما، فلم ينكروا ذلك مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة+.
قلت: وقد سألوا عن أوضح من هذا فقالوا: وما الرحمن.
وأما ما استشهدوا به من بيت زهير، وغيره فهو من نوادر كلام العرب، ومما أخرج مخرج الألغاز والتمليح، وذلك لا يناسب مقام الكتاب المجيد.
النوع الثاني: يجمع الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء، أو أفعالاً، وفيه من الأقوال أربعة:

(١) _ يعني ابن عربي الصوفي. (م)

فأما رؤيةُ زينبَ في بيت زيدٍ إن كانت عن عمد فذلك أنه استأذن في بيت زيد فإن الاستئذان واجب؛ فلا شك أنه رأى وجهها وأعجبته ولا أحسب ذلك لأن النساء لم يكن يسترن وجوههن قال _تعالى_: [وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا] (أي الوجه والكفين) وزيد كان من أشد الناس اتصالاً بالنبي، وزينب كانت ابنة عمته، وزوج مولاه ومتبناه، فكانت مختلطة بأهله، وهو الذي زوجها زيداً، فلا يصح أن يكون ما رآها إلا حين جاء بيت زيد، وإن كانت الريح رفعت الستر فرأى من محاسنها وزينتها ما لم يكن يراه من قبل _ فكذلك لا عجب فيه؛ لأن رؤية الفجأة لا مؤاخذة عليها، وحصول الاستحسان عقب النظر الذي ليس بحرام أمر قهري لا يملك الإنسان صرفه عن نفسه، وهل استحسان ذات المرأة إلا كاستحسان الرياض والجنات والزهور والخيل ونحو ذلك مما سماه الله زينة إذا لم يتبعه النَّظَّار نظرة.
وأما ما خطر في نفس النبي " من مودة تزوجها فإن وقع فما هو بخطب جليل؛ لأنه خاطر لا يملك المرء صرفَه عن نفسه؛ وقد علمت أن قوله: [وَتَخْشَى النَّاسَ] ليس بلوم، وأن قوله: [وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ] ليس فيه لوم ولا توبيخ على عدم خشية الله ولكنه تأكيد لعدم الاكتراث بخشية الناس.
وإنما تظهر مجالاتُ النفوس في ميادين الفتوة بمقدار مصابرتها على الكمال في مقاومة ما ينشأ عن تلك المرائي من ضعف في النفوس، وخور العزائم.
وكفاك دليلاً على تمكن رسول الله " من هذا المقام هو أفضل من ترسخ قدمه في أمثاله أنه لم يَزَلْ يراجعُ زيداً في إمساك زوجه مشيراً عليه بما فيه خير له، وزيد يرى ذلك إشارةً ونصحاً لا أمراً وشرعاً.


الصفحة التالية
Icon