التاسع: في عداد الأقوال في أولها لجماعة من العلماء، والمتكلمين، واختاره الفخر أنها أسماء للسور التي وقعت فيها، قاله زيد بن أسلم، ونسب لسيبويه في كتابه باب أسماء السور من أبواب مالا ينصرف، أو للخليل، ونسبه صاحب الكشاف للأكثر، ويعضده وقوع هاته الحروف في أوائل السور؛ فتكون هاته الحروف قد جعلت أسماء بالعلامة على تلك السور، وسميت بها كما نقول الكراسة ب، والرزمة ج، ونظَّره القفال بما سمَّت العرب بأسماء الحروف كما سموا لام الطائي والد حارثة، وسموا الذهب عين، والسحاب غين، والحوت نون، والجبل قاف، وأقول: وحاء قبيلة من مذحج، وقال شريح بن أوفى العنسي أو العبسي:
| يذكرني حاميم والرمح شاجر | فهلا تلا حاميم قبل التقدم(١) |
ويبعد هذا القول بعداً ما إن الشأن أن يكون الاسم غير داخل في المسمى، وقد وجدنا هذه الحروف مقروءة مع السور بإجماع المسلمين، على أنه يرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور، مثل آلم، وآلر، وحم، وأنه لم توضع أسماء السور الأخرى في أوائلها.
القول العاشر: وقال جماعة: إنها أسماء للقرآن اصطلح عليها، قاله الكلبي، والسدي، وقتادة.
ويبطله أنه قد وقع بعد بعضها ما لا يناسبها لو كانت أسماء للقرآن، نحو [الم (١) غُلِبَتْ الرُّومُ]، و [الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ].
القول الحادي عشر: أن كل حروف مركبة منها هي اسم من أسماء الله رووا عن علي أنه كان يقول: يا كهيعص، يا حم عسق، وسكت عن الحروف المفردة، فيرجع بها إلى ما يناسبها أن تندرج تحته من الأقوال.
(١) _ الضمير في يذكرني راجع لمحمد بن طلحة السجاد بن عبيدالله القرشي من بني مرة بن كعب، وأراد بحم سورة الشورى لأن فيها [قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرَاً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِيْ الْقُرْبَى] فكانت دالة على قرابة النبي"لقريش الذين منهم محمد السجاد.
ولو صح أن زيداً علم مودة النبي " تزوج زينب فطلقها زيد لذلك دون أمر من النبي _عليه الصلاة والسلام_ ولا التماس لما كان عجباً؛ فإنهم كانوا يؤثرون النبي " على أنفسهم، وقد تنازل له دِحْيَةُ الكلبيُّ عن صفية بنت حيي بعد أن صارت له في سهمه من مغانم خيبر، وقد عرض سعد بن الربيع على عبدالرحمن ابن عوف أن يتنازل له عن إحدى زوجتيه يختارها؛ للمؤاخاة التي آخى النبي" بينهما.
وأما إشارة النبي _عليه الصلاة والسلام_ على زيد بإمساك زوجه مع علمه بأنها ستصير زوجة له فهو أداء لواجب أمانة الاستنصاح والاستشارة؛ وقد يشير المرء بالشيء يعلمه مصلحةً وهو يوقن أن إشارته لا تُمْتَثَلُ.
والتخليط بين الحالين تخليطٌ بين التصرف المستند لما تقتضيه ظواهر الأحوال وبين ما في علم الله في الباطن، وأشبه مقام به مقام موسى مع الخضر في القضايا الثلاث.
وليس هذا من خائنة الأعين _كما توهمه من لا يحسن_ لأن خائنة الأعين المذمومة ما كانت من الخيانة والكيد.
وليس هو _أيضاً_ من الكذب لأن قول النبي _عليه الصلاة والسلام_ لزيد: [أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ] لا يناقض رغبته في تزوجها، وإنما يناقضه لو قال: إني أحب أن تمسك زوجك، إذ لا يَخْفَى أن الاستشارة طلب النظر فيما هو صلاح للمستشير لا ما هو صلاح للمستشار.
ومن حق المستشار إعلام المستشير بما هو صلاح له في نظر المشير، وإن كان صلاح المشير في خلافه فضلاً على كون ما في هذه القصة إنما تخالف بين النصيحة وبين ما علمه الناصح من أن نصحه لا يؤثر.
فإن قلت: فما معنى ما روي في الصحيح عن عائشة أنها قالت: لو كان رسول الله كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: [وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ] الآية.