وقد اشتمل القرآن على النوعين؛ فأما النوع الأول فتناوله قريب لا يحتاج إلى كَدِّ فِكْر، ولا يقتضي نظراً؛ فإن مبلغ العلم عندهم يومئذ علوم أهل الكتاب، ومعرفة الشرائع، والأحكام، وقصص الأنبياء والأمم، وأخبار العالم، وقد أشار إلى هذا القرآن بقوله: [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ] وقال: [تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا] ونحو هذا من محاجة أهل الكتاب. ١/١٢٦
٢٠_ وأما النوع الثاني من إعجازه العلمي فهو ينقسم إلى قسمين: قسم يكفي لإدراكه فهمه وسمعه، وقسم يحتاج إدراك وجه إعجازه إلى العلم بقواعد العلوم؛ فينبلج للناس شيئاً فشيئاً انبلاج أضواء الفجر على حسب مبالغ الفهوم، وتطورات العلوم.
وكلا القسمين دليل على أنه من عند الله؛ لأنه جاء به أمي في موضع لم يعالج أهلُه دقائقَ العلومِ، والجائي به ثاوٍ بينهم لم يفارقهم. ١/١٢٧
١_ سورة الفاتحة من السور ذات الأسماء الكثيرة: أنهاها صاحب الإتقان إلى نيف وعشرين بين ألقاب وصفات جرت على ألسنة القراء من عهد السلف.
ولم يثبت في السنة الصحيحة والمأثور من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، والسبع المثاني، وأم القرآن، أو أم الكتاب؛ فلنقتصر على بيان هذه الأسماء الثلاثة. ١/١٣١
في مثل ذلك أنزلت هذه الآية: [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] إلى آخر الآية.
قال أبو عيسى: =هذا حديث غريب إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة وعلي بن يزيد يضعف في الحديث سمعت محمداً يعني البخاري يقول: علي بن يزيد يضعف+ ا هـ.
وقال ابن العربي في العارضة: =في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنها نزلت في النضر بن الحارث.
الثاني: أنها نزلت في رجل من قريش قيل هو ابن خطل اشترى جارية مغنية؛ فشغل الناس بها عن استماع النبي"+ا هـ.
وألفاظ الآية أنسب انطباقاً على قصة النضر بن الحارث.
ومعنى: [لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] أنه يفعل ذلك ليلهي قريشاً عن سماع القرآن؛ فإن القرآن سبيل موصل إلى الله _تعالى_ أي إلى الدين الذي أراده، فلم يكن قصده مجرد اللهو، بل تجاوزه إلى الصد عن سبيل الله، وهذا زيادة في تفظيع عمله.
وقرأ الجمهور (يضل) بضم الياء، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، أي ليزداد ضلالاً على ضلالة؛ إذ لم يكتف لنفسه بالكفر حتى أخذ يبث ضلاله للناس، وبذلك يكون مآل القراءتين متحد المعنى. ٢١/١٤٢_١٤٣
٦_ و(لقمان): اسم رجل حكيم صالح.
وأكثر الروايات في شأنه التي يعضد بعضها _وإن كانت أسانيدها ضعيفة_ تقتضي أنه كان من السود، فقيل: هو من بلاد النوبة، وقيل: من الحبشة.
وليس هو لقمان بن عاد الذي قال المثل المشهور: =إحدى خُطيات لقمان+. والذي ذكره أبو المهوش الأسدي، أو يزيد بن عمر يصعق في قوله:
| تراه يُطَوِّفُ الآفاق حرصاً | ليأكل رأس لقمان بن عاد |
ويعرف ذلك بلقمان صاحب النسور، وهو الذي له ابن اسمه (لقيم)(١).