٢_ وقد ذكروا لتسمية الفاتحة أم القرآن وجوهاً ثلاثة: أحدها: أنها مبدوة ومفتتحة؛ فكأنها أصلُه ومنشؤه؛ يعني أن افتتاحه الذي هو وجود أول أجزاء القرآن قد ظهر فيها؛ فجعلت كالأم للولد في أنها الأصل والمنشأ؛ فيكون أم القرآن تشبيهاً بالأم التي هي منشأ الولد؛ لمشابهتها بالمنشأ من حيث ابتداء الظهور والوجود.
الثاني: أنها تشتمل محتوياتها على أنواع مقاصد القرآن، وهي ثلاثة أنواع: الثناء على الله ثناءً جامعاً لوصفه بجميع المحامد، وتنزيهه من جميع النقائص، ولإثبات تفرده بالإلهية، وإثبات البعث والجزاء، وذلك من قوله: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] إلى قوله: [مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ] والأوامر والنواهي من قوله: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ] والوعد والوعيد من قوله: [صِرَاطَ الَّذِينَ] إلى آخرها؛ فهذه هي أنواع مقاصد القرآن كله، وغيرها تكملات لها؛ لأن القصدَ من القرآن إبلاغُ مقاصدِه الأصلية وهي صلاح الدارين، وذلك يحصل بالأوامر والنواهي، ولما توقفت الأوامر والنواهي على معرفة الآمر، وأنه الله الواجب وجوده خالق الخلق لزم تحقيق معنى الصفات، ولما توقف تمام الامتثال على الرجاء في الثواب، والخوف من العقاب لزم تحقق الوعد والوعيد.
والفاتحة مشتملة على هاته الأنواع؛ فإن قوله: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] إلى قوله: [يَوْمِ الدِّينِ] حمد وثناء، وقوله: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ] إلى قوله: [الْمُسْتَقِيمَ] من نوع الأوامر والنواهي، وقوله: [صِرَاطَ الَّذِينَ] إلى آخرها من نوع الوعد والوعيد مع أن ذكر المغضوب عليهم، والضالين يشير _أيضاً_ إلى نوع قصص القرآن، وقد يؤيد هذا الوجه بما ورد في الصحيح في [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ] أنها تعدل ثلث القرآن لأن ألفاظها كلها ثناء على الله _تعالى_.
وبعضهم ذكر أن اسم أبيه باعوراء، فسبق إلى أوهام بعض المؤلفين(١) أنه المسمى في كتب اليهود بلعام بن باعوراء المذكور خبره في الإصحاحين ٢٢ و٢٣ من سفر العدد.
ولعل ذلك وَهْمٌ؛ لأن بلعام ذلك رجل من أهل مَدْين كان نبياً في زمن موسى _عليه السلام_ فلعل التوهم جاء من اتحاد اسم الأب، أو من ظن أن بلعام يرادف معنى لقمان؛ لأن بلعام من البلع ولقمان من اللقم فيكون العرب سموه بما يرادف اسمه في العبرانية.
وقد اختلف السلف في أن لقمان المذكور في القرآن كان حكيماً أو نبياً.
فالجمهور قالوا: كان حكيماً صالحاً.
واعتمد مالك في الموطأ على الثاني، فذكره في جامع الموطأ مرتين بوصف لقمان الحكيم، وذلك يقتضي أنه اشتهر بذلك بين علماء المدينة.
وذكر ابن عطية: أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله " يقول: =لم يكن لقمان نبياً ولكن كان عبداً كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله _تعالى_ فأحبه؛ فمنَّ عليه بالحكمة+.
ويظهر من الآيات المذكورة في قصته هذه أنه لم يكن نبياً؛ لأنه لم يمتن عليه بوحي ولا بكلام الملائكة.
والاقتصار على أنه أوتي الحكمة يومئ إلى أنه ألهم الحكمة، ونطق بها، ولأنه لما ذكر تعليمه لابنه قال _تعالى_: [وَهُوَ يَعِظُهُ] وذلك مؤذنٌ بأنه تعليم، لا تبليغ تشريع.
وذهب عكرمة والشعبي: أن لقمان نبي، ولفظ الحكمة يسمح بهذا القول؛ لأن الحكمة أطلقت على النبوءة في كثير من القرآن كقوله في داود: [وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ].
وقد فُسِّرت الحكمة في قوله _تعالى_: [وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً] بما يشمل النبوءة.
وإن الحكمة معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، وأعلاها النبوءة؛ لأنها علم بالحقائق مأمون من أن يكون مخالفاً لما هي عليه في نفس الأمر؛ إذ النبوءة متلقاة من الله الذي لا يعزب عن عمله شيء.