الثالث: أنها تشتمل معانيها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية، والأحكام العملية؛ فإن معاني القرآن، إما علوم تُقْصَدُ معرفتها، وإما أحكام يقصد منها العمل بها؛ فالعلوم كالتوحيد، والصفات، والنبوءات، والمواعظ، والأمثال، والحكم، والقصص، والأحكام إما عمل الجوارح وهو العبادات والمعاملات، وإما عمل القلوب أي العقول وهو تهذيب الأخلاق وآداب الشريعة، وكلها تشتمل عليها معاني الفاتحة بدلالة المطابقة، أو التضمن، أو الالتزام. ١/١٣٣_١٣٤
٣_ وهذه السورة وضعت في أول السور؛ لأنها تنزل منها منزل ديباجة الخطبة أو الكتاب، مع ما تضمنته من أصول مقاصد القرآن _كما علمت آنفاً_ وذلك شأن الديباجة من براعة الاستهلال.
وهذه السورة مكية باتفاق الجمهور، وقال كثير: إنها أول سورة نزلت، والصحيح أنه نزل قبلها [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ] وسورة المدثر، ثم الفاتحة.
وقيل نزل قبلها _أيضاً_ [ن وَالْقَلَمِ] وسورة المزمل.
وقال بعضهم: هي أول سورة نزلت كاملة أي غير منجمة، بخلاف سورة القلم.
وقد حقق بعض العلماء أنها نزلت عند فرض الصلاة؛ فقرأ المسلمون بها في الصلاة عند فرضها، وقد عدت في رواية عن جابر بن زيد السورة الخامسة في ترتيب نزول السور.
وأيا ما كان فإنها قد سماها النبي " فاتحة الكتاب، وأمر بأن تكون أول القرآن.
قلت: ولا يناكد ذلك نزولها بعد سور أخرى؛ لمصلحة اقتضت سبقها قبل أن يَتَجمَّع من القرآن مقدارُ يصير به كتاباً، فحين تجمَّع ذلك أنزلت الفاتحة؛ لتكون ديباجة الكتاب. ١/١٣٥_١٣٦
٤_ البسملة اسم لكلمة باسم الله، صيغ هذا الاسم على مادة مؤلفة من حروف الكلمتين (باسم) و(الله) على طريقة تسمى النحت(١)
أو هو: استخراج كلمة واحدة من كلمتين فأكثر.
وله تفصيلات ليس هذا محلَّها. (م)
وسيأتي أن إيراد قوله _تعالى_: [وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ] في أثناء كلام لقمان يساعد هذا القول.
وذكر أهل التفسير والتاريخ أنه كان في زمن داود.
وبعضهم يقول: إنه كان ابن أخت أيوب، أو ابن خالته؛ فتعين أنه عاش في بلاد إسرائيل.
وذكر بعضهم أنه كان عبداً، فأعتقه سيده.
وذكر ابن كثير عن مجاهد: أن لقمان كان قاضياً في بني إسرائيل في زمان داود _عليه السلام_ ولا يوجد ذكر ذلك في كتب الإسرائيليين.
قيل: كان راعياً لغنم، وقيل: كان نجاراً، وقيل: خياطاً.
وفي تفسير ابن كثير عن ابن وهب أن لقمان كان عبداً لبني الحسحاس، وبنو الحسحاس من العرب، وكان من عبيدهم سحيم العبد الشاعر المخضرم الذي قتل في مدة عثمان.
وحكمة لقمان مأثورة في أقواله الناطقة عن حقائق الأحوال، والمقربة للخفيات بأحسن الأمثال.
وقد عُنِي بها أهل التربية وأهل الخير، وذكر القرآن منها ما في هذه السورة، وذكر منها مالك في الموطأ بلاغين في كتاب الجامع، وذكر حكمة له في كتاب جامع العتبية، وذكر منها أحمد بن حنبل في مسنده ولا نعرف كتاباً جمع حكمة لقمان.
وفي تفسير القرطبي قال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب.
ولعل هذا إن صح عن وهب بن منبه كان مبالغة في الكثرة. ٢١/١٤٨_١٥٠
٧_ وكان لقمان معروفاً عند خاصة العرب، قال ابن إسحاق في السيرة: =قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجاً أو معتمراً، فتصدى له رسول الله"فدعاه إلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي فقال له رسول الله": وما معك؟ قال: مجلة لقمان، فقال له رسول الله ": اعرضها علي، فعرضها عليه، فقال: =إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله+.
قال ابن إسحاق: فقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، وكان قتله قيل يوم بعاث، وكان رجال من قومه يقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم وكان قومه يدْعُونه الكامل+ ا هـ.