وهو صوغُ فعل مُضِيٍّ على زنة فَعْلَلَ مؤلفة مادته من حروف جملة، أو حروف مركب إضافي، مما ينطق به الناس اختصاراً عن ذكر الجملة كلها؛ لقصد التخفيف؛ لكثرة دوران ذلك على الألسنة.
وقد استعمل العرب النحت في النسب إلى الجملة أو المركب إذا كان في النسب إلى صدر ذلك أو إلى عجزه التباس، كما قالوا في النسبة إلى عبد شمس: عَبْشَمِيّ؛ خشية الالتباس بالنسب إلى عبدٍ أو إلى شمس، وفي النسبة إلى عبدالدار: عَبْدَرِيّ كذلك، وإلى حضرموت: حضرمي. ١/١٣٧
٥_ وقد رسم أسلوب الفاتحة للمنشئين ثلاث قواعد للمقدمة: القاعدة الأولى: إيجاز المقدمة؛ لئلا تمل نفوس السامعين بطول انتظار المقصود، وهو ظاهر في الفاتحة، وليكون سنة للخطباء؛ فلا يطيلوا المقدمة؛ كي لا ينسبوا إلى العي؛ فإنه بمقدار ما تطال المقدمة يقصر الغرض، ومن هذا يظهر وجه وضعها قبل السور الطوال مع أنها سورة قصيرة.
الثانية: أن تشير إلى الغرض المقصود، وهو ما يسمى براعة الاستهلال؛ لأن ذلك يهيئ السامعين؛ لسماع تفصيل ما سيرد عليهم؛ فيتأهبوا لتلقيه إن كانوا من أهل التلقي فحسب، أو لنقده وإكماله إن كانوا في تلك الدرجة، ولأن ذلك يدل على تمكن الخطيب من الغرض، وثقته بسداد رأيه فيه بحيث ينبه السامعين لوعيه، وفيه سنة للخطباء؛ ليحيطوا بأغراض كلامهم.
وقد تقدم بيان اشتمال الفاتحة على هذا عند الكلام على وجه تسميتها أم القرآن.
الثالثة: أن تكون المقدمة من جوامع الكلم، وقد بين ذلك علماء البيان عند ذكرهم المواضع التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها.
الرابع: أن تفتتح بحمد الله. ١/١٥٣ (١)

(١) _ يُلاحظ أن المؤلف × قال في بداية الفقرة: =وقد رسم أسلوب الفاتحة للمنشئين ثلاث قواعد للمقدمة...+ ثم ذكر الرابع. (م)

وفي الاستيعاب لابن عبدالبر: =أنا شاك في إسلامه كما شك غيري+.
وقد تقدم في صدر الكلام على هذه السورة أن قريشاً سألوا رسول الله"عن لقمان وابنه، وذلك يقتضي أنه كان معروفاً للعرب.
وقد انتهى إليَّ حين كتابة هذا التفسير من حكم لقمان المأثورة ثمان وثلاثون حكمة غير ما ذكر في هذه الآية، وسنذكرها عند الفراغ من تفسير هذه الآيات. ٢١/١٥٠_١٥١
٨_ وفائدة ذكر الحال بقوله: [وَهُوَ يَعِظُهُ] الإشارة إلى أن قوله هذا كان لتلبس ابنه بالإشراك، وقد قال جمهور المفسرين: إن ابن لقمان كان مشركاً فلم يزل لقمان يعظه حتى آمن بالله وحده؛ فإن الوعظ زجر مقترن بتخويف.
قال _تعالى_: [فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً].
ويعرف المزجور عنه بمتعلق فعل الموعظة؛ فتعين أن الزجر هنا عن الإشراك بالله.
ولعل ابن لقمان كان يدين بدين قومه من السودان، فلما فتح الله على لقمان بالحكمة والتوحيد أبى ابنه متابعته، فأخذ يعظه حتى دان بالتوحيد، وليس استيطان لقمان بمدينة داود مقتضياً أن تكون عائلته تدين بدين اليهودية.
وأصل النهي عن الشيء أن يكون حين التلبس بالشيء المنهي عنه، أو عند مقاربة التلبس به، والأصل أن لا ينهى عن شيء منتف عن المنهي.
وقد ذكر المفسرون اختلافاً في اسم ابن لقمان؛ فلا داعي إليه.
وقد جمع لقمان في هذه الموعظة أصول الشريعة وهي: الاعتقادات، والأعمال، وأدب المعاملة، وأدب النفس. ٢١/١٥٤
٩_ والأمر بأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر يقتضي إيتان(١) الآمر وانتهاءه في نفسه؛ لأن الذي يأمر بفعل الخير وينهى عن فعل الشر يعلم ما في الأعمال من خير وشر، ومصالح ومفاسد؛ فلا جرم أن يتوقاها في نفسه بالأولوية من أمره الناس ونهيه إياهم.
(١) _هكذا في الأصل، والصواب: إتيان. (م)


الصفحة التالية
Icon