٦_ فالفاتحةُ تضمَّنت مناجاةً للخالق جامعةً التنزهَ عن التعطيلِ، والإلحاد، والدّهرية بما تضمنه قولُه: [مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ] وعن الإشراك بما تضمّنه [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] وعن المكابرةِ والعناد بما تضمنه [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ].
فإنَّ طلبَ الهدايةِ اعترافٌ بالاحتياج إلى العلم، وَوَصْفَ الصراطِ بالمستقيم اعترافٌ بأن من العلم ما هو حقٌّ، ومنه ما هو مشوبٌ بِشُبَهٍ وغَلَط.
ومَنِ اعترَفَ بهذين الأمرين فَقَدْ أعدَّ نفسَه لاتِّباع أَحْسَنِهما، وعن الضلالات التي تعتري العلومَ الصحيحةَ، والشرائعَ الحقةَ؛ فتذهبُ بفائدتها، وتُنْزِلُ صاحبها إلى دركةٍ أقلَّ مما وقفَ عنده الجاهلُ البسيطُ، وذلك بما تضمَّنه قولُه: [غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ] كما أجملناه قريباً.
ولأجل هذا سُمِّيَتْ هاتِه السورةُ أمَّ القرآن _كما تقدم_.
ولما لُقِّن المؤمنون هاتِهِ المناجاةَ البديعةَ التي لا يهتدي إلى الإحاطة بها في كلامه غيرُ علامِ الغيوب _سبحانه_ قُدَّم الحمدُ عليها؛ ليضَعَه المناجون كذلك في مناجاتهم جرياً على طريقة بلغاء العرب عند مخاطبة العظماء أن يفتتحوا خطابهم إياهم، وَطِلْبَتَهم بالثناء، والذكرِ الجميل.
قال أميةُ بنُ أبي الصلتِ يمدحُ عبدَ اللهِ بنَ جُدْعان:

أَأَذْكُرُ حاجتي أم قَدْ كَفاني حياؤك إن شيمتَك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرءُ يوماً كفَاه عن تعرُّضه الثناءُ
فكان افتتاحُ الكلامِ بالتحميد سُنَّةَ الكتابِ المجيد، لكل بليغ مُجيد. ١/١٥٣_١٥٤
فهذه كلمة جامعة من الحكمة والتقوى؛ إذ جمع لابنه الإرشاد إلى فعله الخير، وبثه في الناس، وكفه عن الشر، وزجره الناس عن ارتكابه، ثم أعقب ذلك بأن أمره بالصبر على ما يصيبه.
ووجه تعقيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بملازمة الصبر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يَجُرَّان للقائم بهما معاداةً من بعض الناس، أو أذى من بعض؛ فإذا لم يصبر على ما يصيبه من جراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو شك أن يتركهما.
ولما كانت فائدةُ الصبرِ عائدةً على الصابر بالأجر العظيم عُدَّ الصبر هنا في عداد الأعمال القاصرة على صاحبها، ولم يُلْتَفَتْ إلى ما في تحمل أذى الناس من حسن المعاملة معهم حتى يذكر الصبر مع قوله: [وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ] لأن ذلك ليس هو المقصود الأول من الأمر بالصبر.
والصبر: هو تحمل ما يحل بالمرء مما يؤلم أو يحزن، وقد تقدم في قوله _تعالى_: [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ] في سورة البقرة. ٢١/١٦٥
١٠_ وهذا وفاء بما وعدت به عند الكلام على قوله _تعالى_: [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ] من ذكر ما انتهى إليه تتبعي لما أثر من حكمة لقمان غير ما في هذه السورة، وقد ذكر الآلوسي في تفسيره منها ثمانياً وعشرين حكمة وهي: قوله لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها أناس كثير؛ فاجعل سفينتك فيها تقوى الله _تعالى_ وحشوها الإيمان، وشراعها التوكل على الله _تعالى_ لعلك أن تنجو، ولا أراك ناجياً.
وقوله: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله _عز وجل_ حافظ، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله _تعالى_ بذلك عزاً، والذل في طاعة الله _تعالى_ أقرب من التعزز بالمعصية.
وقوله: ضَرْبُ الوالدِ لولده كالسماد للزرع.
وقوله: يا بني إياك والدَّينَ؛ فإنه ذل النهار، وهمُّ الليل.


الصفحة التالية
Icon