٧_ واعلم أن الغضب عند حكماء الأخلاق مبدأ من مجموع الأخلاق الثلاثة الأصلية التي يعبر عن جميعها بالعدالة وهي: الحكمة، والعفة، والشجاعة، فالغضب مبدأ الشجاعة إلا أن الغضب يعبر به عن مبدأ نفساني لأخلاق كثيرة متطرفة، ومعتدلة، فيلقبون بالقوة الغضبية ما في الإنسان من صفات السبعية، وهي حب الغلبة، ومن فوائدها دفع ما يضره، ولها حد اعتدال، وحد انحراف؛ فاعتدالها الشجاعة، وكبر الهمة، وثبات القلب في المخاوف.
وانحرافها إما بالزيادة فهي التهور، وشدة الغضب من شيء قليل، والكبر، والعجب، والشراسة، والحقد، والحسد، والقساوة، أو بالنقصان فالجبن، وخور النفس، وصغر الهمة؛ فإذا أطلق الغضب لُغَةً انصرف إلى بعض انحراف الغضبية، ولذلك كان من جوامع كلم النبي"أن رجلاً قال له أوصني قال: =لا تغضب+ فكر مراراً، فقال: =لا تغضب+ رواه الترمذي.
وسئل بعض ملوك الفرس: بم دام ملككم؟ فقال: =لأنا نعاقب على قَدْرِ الذنب لا على قَدْرِ الغضب+.
فالغضب المنهي عنه: هو الغضب للنفس؛ لأنه يصدر عنه الظلم والعدوان.
ومن الغضب محمودٌ: وهو الغضب لحماية المصالح العامة، وخصوصاً الدينية وقد ورد أن النبي كان لا يغضب لنفسه، فإذا انتهكت حرمة من حرمات الله غضب لله. ١/١٩٨
١_ كذا سميت هذه السورة سورة البقرة في المروي عن النبي"وما جرى في كلام السلف، فقد ورد في الصحيح أن النبي"قال: =من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه+.
وفيه عن عائشة لما نزلت الآيات من آخر البقرة في الربا، قرأهن رسول الله، ثم قام فحرم التجارة في الخمر.
ووجه تسميتها أنها ذكرت فيها قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها؛ لتكون آية ووصف سوء فهمهم لذلك، وهي مما انفردت به هذه السورة بذكره، وعندي أنها أضيفت إلى قصة البقرة؛ تمييزاً لها عن السور آل، آلم، من الحروف المقطعة؛ لأنهم كانوا ربما جعلوا تلك الحروف المقطعة أسماء للسور الواقعة هي فيها، وعرفوها بها نحو: طه، ويس، وص.
وقوله: يا بني ارجُ الله _عز وجل_ رجاءً لا يُجَرِّيك على معصيته _تعالى_ وخف الله _سبحانه_ خوفاً لا يؤيسك من رحمته _تعالى شأنه_.
وقوله: من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.
وقوله: يا بني حملت الجندل والحديد، وكل شيء ثقيل؛ فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المرار؛ فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر.
يا بني لا ترسل رسولك جاهلاً؛ فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك.
يا بني إياك والكذب؛ فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يغلي صاحبه.
يا بني احضر الجنائز، ولا تحضر العرس؛ فإن الجنائز تذكرك الآخرة، والعرس يشهيك الدنيا.
يا بني لا تأكل شبعاً على شبع؛ فإن إلقاءك إياه للكلب خير من أن تأكله.
يا بني لا تكن حلواً فَتُبلع، ولا تكن مراً فَتُلْفَظ.
وقوله لابنه: لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.
وقوله: لا خير لك في أن تتعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت؛ فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطباً، فحمل حزمة، وذهب يحملها، فعجز عنها، فَضَمَّ إليها أخرى.
وقوله: يا بني إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك؛ فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره.
وقوله: لتكن كلمتُك طيبةً، وليكن وجهك بسطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء.
وقوله: يا بني أنزل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك، ولا بد لك منه.
يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس، ولا يكسب ذمهم؛ فنفسه منه في عناء، والناس منه في راحة.
وقوله: يا بني امتنع بما يخرج من فيك؛ فإنك ما سكتَّ سالمٌ، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك.
وأنا أُقَفَّي عليها ما لم يذكره الآلوسي.
فمن ذلك ما في الموطأ فيما جاء في طلب العلم من كتاب الجامع: مالك أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يحيي القلوب بنور العلم كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.