ج ٩، ص : ١١٠٠
أيديهم كتاب سماوىّ يدعوهم إلى عبادتها، أو يكون معهم عقل دلّهم عليها، وأراهم منها ما تستحق به أن تؤلّه وتعبد.. ثم كشفت الآيات بعد ذلك عن موقف هؤلاء المشركين عند استماعهم لآيات اللّه إذا تلاها عليهم قال.. إنهم يضيقون بها، حتى لتكاد تختنق أنفاسهم منها..
وهنا فى هذه الآية، يضرب اللّه سبحانه وتعالى لهم مثلا مجسما، يمكن أن يوضع موضع التجربة والاختبار من الناس، وخاصة المشركين، وهو أن يدعوا هذه الآلهة جميعها إلى أن يخلقوا كائنا من أضأل مخلوقات اللّه، وهو الذباب..
فإن فعلوا ـ ولن يفعلوا ـ فليكن لهم أن يجعلوها آلهة، وأن يعبدوها كما يعبد اللّه.. وإن لم يخلقوا جناح ذبابة ـ وهو ما تكشف عنه التجربة ـ فإن عبادتهم لها بعد ذلك، ضلال فى ضلال :« أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ؟ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ » (١٩١ ـ ١٩٢ : الأعراف).
هذا، وقد مرّ تفسير هذه الآية فى أول هذه السورة، فى مبحث [الخالق وما خلق ].
قوله تعالى :« ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ».
أي أن هؤلاء المشركين، قد جهلوا قدر اللّه، ونظروا إليه كما ينظرون إلى ما يكبر فى صدورهم، من مخلوقات ومصنوعات.. فلم يجاوزوا بقدر اللّه ما يرفعه فوق هذه المعبودات، ويجعلها جميعا عابدة له، خاضعة لتصريفه فيها، بل إن ظنّهم باللّه، جعلهم يجعلونه إلها فى مجمع هذه الآلهة، ومن أحسن الظنّ منهم باللّه، جعله إلها على رأس هذه الآلهة، تشاركه الملك والتدبير، وأن لهم بهذا أن يقربوهم إلى اللّه، وينزلوهم منازل الرضوان عنده، وقالوا :« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » (٣ : الزمر).