قلت معنى القراءة بالتاء - أي من فوق - الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحَشْر إلى جهنَّمَ، فهو إخبار بمعنى : ستُغْلَبُون وتُحْشَرون، فهو كائن من نفس المتوعَّد به، وهو الذي يدل عليه اللفظ ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخْبِرَ به من وعيدهم بلفظه، كأنه قال : أدِّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك :" سيُغْلَبون ويُحْشَرون ".
وجوَّز الفرَّاءُ وثعلبُ أن يكون الضمير في " سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ " لكفار قريش، ويُرَاد بالذين كفروا اليهود، والمعنى : قل لليهود : ستُغْلَبُ قريش. وهذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط.
قال مَكيٌّ :" ويقوِّي القراءة بالياء - أي من تحت - إجماعهم على الياء في قوله :﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [ الأنفال : ٣٨ ]، والتاء يعني من فوق أحَبُّ إليَّ، لإجماع الحَرَميَّينِ وعاصم وغيرهم على ذلك ".
قال شهابُ الدينِ : ومِثْل إجماعهم على قوله :﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ﴾ [ الأنفال : ٣٨ ] إجماعُهم على قوله ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ﴾ [ النور : ٣٠ ]، وقوله :﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ﴾ [ الجاثية : ١٤ ]، وقال الفرّاء :" مَن قرأ بالتاءِ جعل اليهود والمشركين داخِلينَ في الخطاب، ثم يجوز - في هذا المعنى - التاء والياء، كما تقول في الكلام : قل لعبد الله : إنه قائم، وإنك قائم ".
وفي حرف عبد الله :﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، ومَن قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود، وأنَّ الغَلَبَةَ تقع على المشركين، كأنه قيل : قل يا محمد لليهود سيُغْلَب المشركون، ويُحْشَرُونَ، فليس يجوز في هذا المعنى إلاَّ الياءُ لأن المشركين غيب. أ هـ ﴿تفسير ابن عادل حـ ٥ صـ ٥٥ ـ ٥٦﴾