وهذا شروع في أول غرض أنزلت فيه هذه السورة : غرض محاجة نصارى نجران، فهذا الاستئناف من مناسبات افتتاح السورة بذكر تنزيل القرآن والتوراة والإنجيل، ثم بتخصيص القرآن بالذكر وتفضيله بأن هديه يفوق هدي ما قبله من الكتب، إذ هو الفرقان، فإن ذلك أس الدين القويم، ولما كان الكلام المتقدم مشتملا على تعريض باليهود والنصارى الذي كذبوا بالقرآن، وإبطال لقول وفد نجران لما طلب منهم الرسول ﷺ الإسلام "أسلمنا قبلك" فقال لهم كذبتم روى الواحدي، ومحمد بن إسحاق : أن وفد نجران لما دخلوا المسجد النبوي تكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول الله أسلما قالا :"قد أسلمنا قبلك" قال :"كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب"، ناسب أن ينوه بعد ذلك بالإسلام الذي جاء به القرآن، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾.
واعلم أن جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة، وإن كان بعضها استئنافا، وإنما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٣ صـ ٤٥ ـ ٤٦﴾
فصل
قال الفخر :
في كيفية النظم من قرأ ﴿أَنَّ الدّينَ﴾ بفتح ﴿أن﴾ كان التقدير : شهد الله لأجل أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام، فإن الإسلام إذا كان هو الدين المشتمل على التوحيد، والله تعالى شهد بهذه الوحدانية كان اللازم من ذلك أن يكون الدين عند الله الإسلام، ومن قرأ ﴿إِنَّ الدّينَ﴾ بكسر الهمزة، فوجه الاتصال هو أنه تعالى بيّن أن التوحيد أمر شهد الله بصحته، وشهد به الملائكة وأولوا العلم، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يقال ﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٧ صـ ١٨١﴾
فصل
قال القرطبى :