فصل
قال الفخر :
أما قوله تعالى :﴿تُولِجُ الليل فِى النهار وَتُولِجُ النهار فِى الليل﴾ فيه وجهان
الأول : أن يجعل الليل قصيراً ويجعل ذلك القدر الزائد داخلاً في النهار وتارة على العكس من ذلك وإنما فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه علق قوام العالم ونظامه بذلك
والثاني : أن المراد هو أنه تعالى يأتي بالليل عقيب النهار، فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر، والأول أقرب إلى اللفظ، لأنه إذا كان النهار طويلاً فجعل ما نقص منه زيادة في الليل كان ما نقص منه داخلاً في الليل. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٨ صـ ٩﴾
فائدة
قال ابن عاشور :
وحقيقة تولج تدخل وهو هنا استعارة لتعاقب ضوء النهار وظلمة الليل، فكأن أحدهما يدخل في الآخر، ولازدياد مدة النهار على مدة الليل وعكسه في الأيام والفصول عدا أيام الاعتدال وهي في الحقيقة لحظات قليلة ثم يزيد أحدهما لكن الزيادة لا تدرك في أولها فلا يعرفها إلا العلماء، وفي الظاهر هي يومان في كل نصف سنة شمسية قال ابن عرفة : كان بعضهم يقول : القرآن يشتمل على ألفاظ يفهمها العوام وألفاظ يفهمها الخواص وما يفهمه الفريقان ومنه هذه الآية ؛ فإن الإيلاج يشمل الأيام التي لا يفهمها إلا الخواص والفصول التي يدركها سائر العوام.
وفي هذا رمز إلى ما حدث في العالم من ظلمات الجهالة والإشراك، بعد أن كان الناس على دين صحيح كدين موسى، وإلى ما حدث بظهور الإسلام من إبطال الضلالات، ولذلك ابتدئ بقوله ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾، ليكون الانتهاء بقوله ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، فهو نظير التعريض الذي بينته في قوله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية. والذي دل على هذا الرمز افتتاح الكلام بقوله ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٣ صـ ٦٩﴾