روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول ﷺ فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام، وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال عليه الصلاة والسلام :" كلا الفريقين برىء من دين إبراهيم عليه السلام، " فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية، ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن على هذا التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد ﷺ في النبوّة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر، فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا طالبين ديناً غير دين الله، ومعبوداً سوى الله سبحانه، ثم بيّن أن التمرد على الله تعالى والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال :﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٨ صـ ١٠٧﴾
فائدة
قال ابن عادل :
قوله :" وله أسلم من في السموات " جملةٌ حاليةٌ، أي : كيف يبغون غير دينه، والحال هذه، وفي قوله :" طوعاً وكرهاً " وجهان :
أحدهما : أنهما مصدران في موضع الحال، والتقدير : طائعين وكارهين.
الثاني : أنهما مصدران على غير المصدر، قال ابو البقاء :" لأن " أسْلَمَ " بمعنى انقاد، وأطاع " وتابعه أبو حيان على هذا.
وفيه نظرٌ ؛ من حيث إن هذا ماشٍ في " طَوْعاً " لموافقته معنى الفعل قبله، وأما " كَرْهاً "، كيف يقال فيه ذلك ؟ والقول بأنه يُغتفر في التوالي ما لا يُغْتَفَر في الأوائل، غير نافع هنا.