وجواب هذا الإشكال : أن الإنسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول، فعلى هذا الإنسان لا يمكنه أن ينفق الدنيا في الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة، ولا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر، وأقر بأنه يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه، فإذا تأملت علمت أن الإنسان لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعاً لجميع الخصال المحمودة في الدنيا. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٨ صـ ١١٧﴾
فصل
قال الفخر :
كان السلف إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله، روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة : يا رسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إليّ أفأتصدق به ؟ فقال عليه السلام :" بخ بخ ذاك مال رابح، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين "
فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله، فقسمها في أقاربه، ويروى أنه جعلها بين حسّان بن ثابت وأُبي بن كعب رضي الله عنهما، وروي أن زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله ﷺ أسامة، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام :" إن الله قد قبلها " واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له : لم أعتقتها ولم تصب منها ؟ فقال :﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٨ صـ ١١٧﴾
فصل
قال الفخر :
للمفسرين في تفسير البر قولان
أحدهما : ما به يصيرون أبراراً حتى يدخلوا في قوله ﴿إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ﴾ فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة
والثاني : الثواب والجنة فكأنه قال : لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالانفاق على هذا الوجه.