والقول الثاني : أن ﴿مِنْ﴾ ههنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين
أحدهما : أن فائدة كلمة ﴿مِنْ﴾ هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين
والثاني : أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان
الأول : أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء : الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى :﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين﴾ [ التوبة : ١٢٢ ]
والثاني : أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل، والله أعلم.
وفيه قول رابع : وهو قول الضحاك : إن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول عليه السلام ويعلمون الناس، والتأويل على هذا الوجه كونوا أمة مجتمعين على حفظ سنن الرسول ﷺ وتعلم الدين. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٨ صـ ١٤٥ ـ ١٤٦﴾
وقال القرطبى :
و"مِن" في قوله "مِنكم" للتبعيض، ومعناه أن الآمِرِين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماء.


الصفحة التالية
Icon