ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال :" إنه لمن أهل الجنة " والمعنى على هذا : يا أيها الذين يريدون الإيمان! لا تفعلوا مثل فعل الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا، بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة فتهلكوا، أو يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بالإيمان ورسوخ الإذعان في أنفسهم والإيقان بمر الزمان! افعلوا مثل فعله ساعة أسلم في صدق الإيمان وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم ؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلاً، ومن أقبل عليها فاتته بذل وإن كان كثيراً جليلاً، لأن مَن له ملك السماوات والأرض يفعل ما يشاء، ولا تفيد الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ينته إلى الأضعاف المضاعفة، لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق آيات البقرة الناهية عن مطلق الربا، والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر، وهذا من مزيد الاعتناء بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه، فحرم ربا الفضل في آيات البقرة، ويلزم من ترحيمه تحريم ربا الأضعاف، ثم نص عليه في هذه الآية، فصار محرمأً مرتين : مفهوماً ومنطوقاً، مع ما أفاد ذكره من النكت التي تقدم التنبيه عليها.
ولما كان الفائز بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى :﴿واتقوا النار﴾ أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته ﴿التي أعدت﴾ أي هيئت ﴿للكافرين﴾ أي بالله باستحلال الربا وغيره بالذات، وللكافرين بالنعمة عصياناً بالعرض.


الصفحة التالية
Icon