وقال مجاهد : بل المراد سنن الله تعالى في الكافرين والمؤمنين ؛ فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، والكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا والعقاب في العقبى ثم إنه تعالى قال :﴿فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، وأيضاً يقال الغرض منه زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يعرف بتأمل أحوال المكذبين والمعاندين، ونظير هذه الآية قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [ الصافات : ١٧١ ١٧٣ ] وقوله :﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [ الأعراف : ١٢٨، القصص : ٨٣ ] وقوله :﴿أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون﴾ [ الأنبياء : ١٠٥ ]. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ١١﴾
وقال ابن عاشور :
والمعنى : قد مضت من قبلكم أحوال للأمم، جارية على طريقة واحدة، هى عادة الله في الخلق، وهي أنّ قوّة الظالمين وعتّوهم على الضعفاء أمر زائل، والعاقبة للمتّقين المحقّين، ولذلك قال :﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أي المكذّبين بِرسل ربّهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقّق ما بلغ من أخبارهم، أو السؤال عن أسباب هلاكهم، وكيف كانوا أولي قوة، وكيف طغوا على المستضعفين، فاستأصلهم الله أو لتطمئنّ نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدةَ عيان، فإنّ للعيان بديع معنى لأنّ بَلَغتهم أخبار المكذّبين، ومن المكذّبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرسّ، وكلّهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٣ صـ ٢٢٦ ـ ٢٢٧﴾


الصفحة التالية
Icon