واعلم أن الذين كانوا مع الرسول ﷺ يوم أحد فريقان : أحدهما : الذين كانوا جازمين بأن محمداً عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وكانوا قد سمعوا من النبي ﷺ أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال، فلا جرم كانوا آمنين، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس، فإن النوم لا يجيء مع الخوف، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ وقال في قصة بدر ﴿إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ﴾ [ الأنفال : ١١ ] ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين، فقال في صفة المؤمنين :﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ٣٦ ـ ٣٧﴾
قال الآلوسى :
﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ ﴾ عطف على ﴿ فأثابكم ﴾ [ آل عمران : ١٥٣ ] والخطاب للمؤمنين حقاً، والمعنى ثم وهب لكم أيها المؤمنون ﴿ مّن بَعْدِ الغم ﴾ الذي اعتراكم والتصريح بتأخر الإنزال عنه مع دلالة ثم عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان، وتذكير عظم المنة. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٤ صـ ٩٣﴾
فائدة
قال أبو حيان :
واختلفوا في الوقت الذي غشيهم فيه النعاس.


الصفحة التالية
Icon