الخامس : أن قبل مجيئه كان دين العرب أرذل الأديان وهو عبادة الأوثان، وأخلاقهم أرذل الأخلاق وهو الغارة والنهب والقتل وأكل الأطعمة الرديئة.
ثم لما بعث الله محمداً ﷺ نقلهم الله ببركة مقدمة من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطياتها.
ولا شك أن فيه أعظم المنة.
إذا عرفت هذه الوجوه فنقول :
إن محمدا عليه الصلاة والسلام ولد فيهم ونشأ فيما بينهم وكانوا مشاهدين لهذه الأحوال، مطلعين على هذه الدلائل، فكان إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما إذا لم يكونوا مطلعين على هذه الأحوال.
فلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثا منهم فقال :﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفا للعرب وفخرا لهم، كما قال :﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [ الزخرف : ٤٤ ] وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب.
ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، فما كان للعرب ما يقابل ذلك، فلما بعث الله محمدا عليه السلام وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم، فهذا هو وجه الفائدة في قوله :﴿مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ٦٤ ـ ٦٥﴾
فائدة
قال القرطبى :
والمعنى في المِنّة فيه أقوال : منها أن يكون معنى ﴿ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي بشرٌ مِثلُهم.
فلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم عُلِم أن ذلك من عند الله.
وقيل ؛ "مِنْ أنْفُسِهِمْ" منهم.
فشَرفُوا به ﷺ، فكانت تلك المنّة.
وقيل :"مِن أنْفُسِهِم" ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم طريقته.


الصفحة التالية
Icon