وقال الفخر :
معناه أنه سبحانه حكم بأن يظهر هذا التمييز، ثم بين بهذه الآية أنه لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم الله على غيبه فيقول : إن فلانا منافق وفلانا مؤمن، وفلانا من أهل الجنة وفلانا من أهل النار، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه، بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق، فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء، فلهذا قال :﴿وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء﴾ أي ولكن الله يصطفي من رسله من يشاء فخصهم بإعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق.
ويحتمل ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى : وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ٩٠ ـ ٩١﴾
قال ابن عاشور :
وقوله :﴿ ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ﴾ يجوز أنّه استدراك على ما أفاده قوله :﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ حتّى لا يجعله المنافقون حجّة على المؤمنين.
في نفي الوحي والرسالة، فيكون المعنى : وما كان الله ليطلعكم على الغيب إلاّ ما أطلع عليه رسوله ومن شأن الرسول أن لا يفشي ما أسرّه الله إليه كقوله :﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحد إلا من ارتضى من رسول ﴾ [ الجن : ٢٦، ٢٧ ] الآية، فيكون كاستثناء من عموم ﴿ ليطلعكم ﴾.


الصفحة التالية
Icon