فالشبهة الأولى : أنه تعالى لما أمر بإنفاق الأموال في سبيله قالت الكفار : أنه تعالى لو طلب الإنفاق في تحصيل مطلوبه لكان فقيرا عاجزا، لأن الذي يطلب المال من غيره يكون فقيرا، ولما كان الفقر على الله تعالى محالا، كان كونه طالبا للمال من عبيده محالا، وذلك يدل على أن محمدا كاذب في إسناد هذا الطلب إلى الله تعالى.
الوجه الثاني : في طريق النظم أن أمة موسى عليه السلام كانوا إذا أرادوا التقرب بأموالهم إلى الله تعالى، فكانت تجيء نار من السماء فتحرقها، فالنبي ﷺ لما طلب منهم بذل الأموال في سبيل الله قالوا له لو كنت نبياً لما طلبت الأموال لهذا الغرض، فإنه تعالى ليس بفقير حتى يحتاج في إصلاح دينه إلى أموالنا، بل لو كنت نبياً لكنت تطلب أموالنا لأجل أن تجيئها نار من السماء فتحرقها، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبي، فهذا هو وجه النظم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ٩٤ ـ ٩٥﴾
فصل
قال الفخر :
اعلم أنه يبعد من العاقل أن يقول إن الله فقير ونحن أغنياء، بل الإنسان إنما يذكر ذلك إما على سبيل الاستهزاء أو على سبيل الإلزام، وأكثر الروايات أن هذا القول إنما صدر عن اليهود، روي أنه ﷺ كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسنا، فقال فنحاص اليهودي : إن الله فقير حتى سألنا القرض، فلطمه أبو بكر في وجهه وقال : لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله ﷺ وجحد ما قاله، فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر رضي الله عنه.