وتركوا ما كان بأيديهم عاجزين عن المدافعة، ولم يبق إلا ملكه سبحانه وتعالى، وأن الفريقين ينتظرون الجزاء، فالرسل لتمام الفوز، والكفار لتمام الهلاك ؛ أخبر أن كل نفس كذلك، ليجتهد الطائع ويقتصر العاصي، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء :﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ أي إن الذي فررتم منه لا بد منه، والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع الذي غر به، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ١٩١ ـ ١٩٣﴾
وقال ابن عاشور :
هذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام، وهو تسلية المؤمنين على ما أصابهم يوم أُحُد، وتفنيد المنافقين في مزَاعمهم أنّ الناس لو استشاروهم في القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا، فبعد أنّ بيّن لهم ما يدفع توهّمهم أنّ الانهزام كان خذلاناً من الله وتعجّبهم منه كيف يلحق قوماً خرجوا لنصر الدين وأن لا سبب للهزيمة بقوله :﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ [ آل عمران : ١٥٥ ] ثم بيّن لهم أنّ في تلك الرزّية فوائد بقول الله تعالى :﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ﴾ [ آل عمران : ١٥٣ ] وقوله :﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ [ آل عمران : ١٦٦ ]، ثم أمرهم بالتسليم لله في كلّ حال فقال :﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ [ آل عمران : ١٦٦ ] وقال :﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم ﴾ [ آل عمران : ١٥٦ ] الآية.


الصفحة التالية
Icon