وبيّن لهم أنّ قتلى المؤمنين الذين حزِنوا لهم إنّما هم أحياء، وأنّ المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم لا يضيع الله أجرهم ولا فَضْلَ ثباتهم، وبيّن لهم أنّ سلامة الكفّار لا ينبغي أن تُحزن المؤمنين ولا أن تسرّ الكافرين، وأبطل في خلال ذلك مقال المنافقين بقوله :﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ [ آل عمران : ١٥٤ ] وبقوله :﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ﴾ [ آل عمران : ١٦٨ ] إلى قوله :﴿ قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ [ آل عمران : ١٦٨ ] ختم ذلك كلّه بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى :﴿ كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ لأنّ المصيبة والحزن إنّما نشآ على موت من استشهد من خيرة المؤمنين، يعني أنّ الموت لمّا كان غاية كلّ حيّ فلو لم يموتوا اليوم لماتوا بعدَ ذلك فلا تأسفوا على موت قتلاكم في سبيل الله، ولا يفتنكم المنافقون بذلك، ويكون قوله بعده :﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ قصر قلب لتنزيل المؤمنين فيما أصابهم من الحزن على قتلاهم وعلى هزيمتهم، منزلة من لا يترقّب من عمله إلاّ منافع الدنيا وهو النصر والغنيمة، مع أنّ نهاية الأجر في نعيم الآخرة، ولذلك قال :﴿ توفون أجوركم ﴾ أي تكمل لكم، وفيه تعريض، بأنّهم قد حصلت لهم أجور عظيمة في الدنيا على تأييدهم للدين : منها النصر يوم بدر، ومنها كفّ أيدي المشركين عنهم في أيام مقامهم بمكّة إلى أن تمكّنوا من الهجرة. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٣ صـ ٢٠٠ ـ ٢٠١﴾
فصل
قال الفخر :
قوله تعالى :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ﴾.
اعلم أن المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين :