أحدهما : أن عاقبة الكل الموت، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها، والحزن متى كان كذلك لم يلتفت العاقل إليه.
والثاني : أن بعد هذه الدار دار يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء، وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ١٠١﴾
فائدة
قال القرطبى :
﴿ ذَآئِقَةُ الموت ﴾ من الذّوق، وهذا مما لا مَحِيص عنه للإنسان، ولا محيد عنه لحيوان.
وقد قال أميّة بن أبي الصلت :
من لم يمت عَبْطَةً يُمت هَرَماً...
لِلموت كأسٌ والمرء ذائِقُها
وقال آخر :
الموتُ بابٌ وكُّل الناس داخِلهُ...
فليتَ شِعْرِىَ بعد الباب ما الدَّار. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٤ صـ ٢٩٧﴾
وقال الآلوسى
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ﴾ أي نازل بها لا محالة فكأنها ذائقته وهو وعد ووعيد للمصدق والمكذب وفيه تأكيد للتسلية له ﷺ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الهموم والأشجان الدنيوية.
وفي الخبر "أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا وقلله ولا في قليل إلا وكثره" وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً أخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء ويرى كل منهما جزاء عمله، وهذه القضية الكلية لا يمكن إجراؤها على عمومها لظاهر قوله تعالى :﴿ فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ [ الزمر : ٦٨ ] وإذا أريد بالنفس الذات كثرت المستثنيات جداً، وهل تدخل الملائكة في هذا العموم ؟ قولان، والجمهور على دخولهم.