فصل
قال الفخر :
اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية، وأصناف العبودية ثلاثة أقسام : التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، فقوله تعالى :﴿يَذْكُرُونَ الله﴾ إشارة إلى عبودية اللسان، وقوله :﴿قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ﴾ إشارة إلى عبودية الجوارح والأعضاء، وقوله :﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض﴾ إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح، والإنسان ليس إلى هذا المجموع، فإذا كان اللسان مستغرقا في الذكر، والأركان في الشكر، والجنان في الفكر، كان هذا العبد مستغرقا بجميع أجزائه في العبودية، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية، وهذه الآية دالة على كمال العبودية، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق إلى الحق، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور إلى جناب الملك الغفور. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ١١٠﴾
فائدة
قال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ ﴾ ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصُر زَمانه.
ومن هذا المعنى قولُ عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
أخرجه مسلم.
فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغيرُ ذلك.
وقد اختلف العلماء في هذا ؛ فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سِيرين والنَّخعِيّ، وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبيّ.
والأوّل أصح لعموم الآية والحديث.
قال النَّخعيّ : لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يَصعد.
المعنى : تَصعد به الملائكة مكتوباً في صحفهم ؛ فحذف المضاف.
دليله قوله تعالى :﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ ق : ١٨ ].