إن قيل : فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا.
قلنا : الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للايقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الايقاع.
أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى، وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ٣ ـ ٤﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ قيل : هذه الآية عامة لكل من عمل ذنباً.
وقيل : لمن جهل فقط، والتوبة لكل من عمل ذنباً في موضع آخر.
واتفقت الأُمة على أن التوبة فرض على المؤمنين ؛ لقوله تعالى :﴿ وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا المؤمنون ﴾ [ النور : ٣١ ].
وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه خلافاً للمعتزلة في قولهم : لا يكون تائباً من أقام على ذنب.
ولا فرق بين معصية ومعصية هذا مذهب أهل السنة.
وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها.
وليس قبول التوبة واجباً على الله من طريق العقل كما قال المخالف ؛ لأن من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم، والمكلِّف لهم ؛ فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه، تعالى عن ذلك، غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى :﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ [ الشورى : ٢٥.
وقوله :﴿ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ [ التوبة : ١٠٤ ].
وقوله :﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ﴾ [ طه : ٨٢ ] فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء.


الصفحة التالية
Icon