وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الاله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم، وأنه لا ينفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه، وإذا كان الأمر كذلك، فلم قالوا : بأن هذا يوجب زوال التلكيف وأيضا : فهذا الذي يقوله هؤلاء المعتزلة من أن العلم بالله في دار التكليف يجب أن يكون نظريا، فإذا صار ضروريا سقط التكليف : كلام ضعيف، لأن من حصل في قلبه العلم بالله إن كان تجويز نقيضه قائما في قلبه، فهذا يكون ظنا لا علما، وإن لم يكن تجويز نقيضه قائما، امتنع أن يكون علم آخر أقوى منه وآكد منه، وعلى هذا التقدير لا يبقى ألبتة فرق بين العلم الضروري وبين العلم النظري فثبت أن هذه الأشياء التي تذكرها المعتزلة كلمات ضعيفة واهية، وأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً، والمردود مقبولا ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [ الأنبياء : ٢٣ ]. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ٦ ـ ٨﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَلَيْسَتِ التوبة ﴾ نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس ؛ كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان ؛ لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع، لأنها حال زوال التكليف.
وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور المفسرين.
وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى :﴿ أولئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ وهو الخلود.


الصفحة التالية
Icon