واعلم أن لفظ الإحصان جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الحرية كما في قوله تعالى :﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [ النور : ٤ ] يعني الحرائر، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين، وكذلك قوله :﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ يعني الحرائر، وكذلك قوله :﴿محصنات غَيْرَ مسافحات﴾ [ النساء : ٢٥ ] وقوله :﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين﴾ وقوله :﴿والتى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [ الأنبياء : ٩١ ] أي أعفته، وثالثها الإسلام : من ذلك قوله :﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قيل في تفسيره : إذا أسلمن، ورابعها : كون المرأة ذات زوج يقال : امرأة محصنة إذا كانت ذات زوج، وقوله :﴿والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ يعني ذوات الأزواج، والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات، فلا بد وأن يكون الإحصان سببا للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف والاسلام لا تأثير له في ذلك، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير.
واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللُّغَويّ، وهو المَنْع، وذلك لأنا ذكرنا أن الإحصان عبارة عن المنع، فالحرية سبب لتحصين الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة أيضا مانعة للإنسان عن الشروع فيما لا ينبغي، وكذلك الإسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة، والزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :" من تزوج فقد حصن ثلثي دينه " فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ٣٢ ـ ٣٣﴾


الصفحة التالية
Icon