فسمى ذلك كله بيعاً وشراء على وجه المجاز، تشبيهاً بعقود الأشِرية والبِياعات التي تحصل بها الأغراض، وهي نوعان : تقلُّب في الحضر من غير نُقلة ولا سفر، وهذا تربُّص واحتكار قد رغِب عنه أولو الأقدار، وزهِد فيه ذوو الأخطار.
والثاني تقلّب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة، وأعمّ جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطراً وأعظم غرراً.
وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال :" إن المسافر وماله لعلَى قَلَتٍ إلاّ مَا وَقَى الله " يعني على خطر.
وقيل : في التوراة يابن آدم، أحدِث سفراً أحدِث لك رزقاً. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ١٥١﴾.
فصل
قال الفخر :
ذكروا في تفسير الباطل وجهين :
الأول : أنه اسم لكل ما لا يحل في الشرع، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة وجحد الحق.
وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي كونها مجملة، لأنه يصير تقدير الآية : لا تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم بطريق غير مشروع، فإن الطرق المشروعة لما لم تكن مذكورة ههنا على التفصيل صارت الآية مجملة لا محالة.
والثاني : ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهم : أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض، وبهذا التقدير لا تكون الآية مجملة، لكن قال بعضهم : إنها منسوخة، قالوا : لما نزلت هذه الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا، وشق ذلك على الخلق، فنسخه الله تعالى بقوله في سورة النور :﴿لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [ النور : ٦١ ] الآية.