وأيضا : ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه، تحرم الصدقات والهبات، ويمكن أن يقال : هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال : هذه الآية محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ٥٧﴾

فصل


قال القرطبى :
اعلم أن كلّ معاوضة تجارةٌ على أيّ وجه كان العِوَض، إلا أن قوله ﴿ بالباطل ﴾ أخرج منها كل عوضٍ لا يجوز شرعاً من رِباً أو جهالة أو تقدير عِوَض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك.
وخرج منها أيضاً كلّ عقد جائز لا عِوَض فيه ؛ كالقرض والصدقة والهبة لا للثواب.
وجازت عقود التبرّعات بأدلة أُخرى مذكورةٍ في مواضعها.
فهذان طرفان متفّق عليهما.
وخرج منها أيضاً دعاء أخِيك إياك إلى طعامه.
روى أبو داود عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿ لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ فكان الرجل يَحْرَج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية ؛ فنسخ ذلك بالآية الأُخرى التي في "النور" ؛ فقال :﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ [ النور : ٦١ ] إلى قوله ﴿ أَشْتَاتاً ﴾ [ النور : ٩٩ ] ؛ فكان الرجل الغنيّ يدعو الرجلَ من أهله إلى طعامه فيقول : إنّي لأجْنَح أن آكل منه والتجَنُّح الحَرَج ويقول : المسكين أحقّ به مِنّي.
فأحلّ في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحلّ طعام أهل الكتاب. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ١٥٢﴾.


الصفحة التالية
Icon