فالنهي عن التمنّي وتطلّع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عامّا، فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسدّ ذرائعها وذرائع غيرها، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور.
وقد كان التمنّي من أعظم وسائل الجرائم، فإنّه يفضي إلى الحسد، وقد كان أوّل جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد.
ولقد كثر ما انتبهت أموال، وقتلت نفوس للرغبة في بسطة رزق، أو فتنة نساء، أو نوال مُلك، والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل.
والذي يبدو أنّ هذا التمنّي هو تمنّي أموال المثرين، وتمنّي أنصباء الوارثين، وتمنّي الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم، وتمنّي حرمان النساء من الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم.
وإنصاف النساء في مُهورهنّ، وترك مضارّتهنّ إلجاء إلى إسقاطها، ومن إعطاء أنصباء الورثة كما قسم الله لهم.
وكلّ ذلك من تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق.
وقد أبدى القفّال مناسبة للعطف تندرج فيما ذكرته. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ١٠٤ ـ ١٠٥﴾
فصل فى سبب نزول الآية
قال القرطبى :
روى الترمذي عن أُمّ سَلَمة أنها قالت : يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث ؛ فأنزل الله تعالى ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ قال مجاهد : وأنزل فيها ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات ﴾ [ الأحزاب : ٣٥ ]، وكانت أمّ سلمة أول ظَعِينة قدِمت المدينة مهاجرة.
قال أبو عيسى ؛ هذا حديث مرسَل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد، مُرسَل أن أم سلمة قالت كذا.
وقال قتادة ؛ كان الجاهلية لا يوّرثون النساء ولا الصبيان ؛ فلما ورّثوا وجُعل للذّكر مثل حظ الأنثيين تمنت النساء أن لو جُعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال.