ولذلك يقولون : احذر أن تريد من الله أن يتم عليك نعمته كلها ؛ لأنها لو تمت لك النعمة كلها وأنت في دار الأغيار فانتظر الموت ؛ فتمام النعمة هو صعود لأعلى منطقة في الجبل وأنت في دار الأغيار، فهل تظل على القمة ؟ لا، بل لا بد أن تنزل، فإياك أن تُسرَّ عندما تبلغ المسألة ذروتها ؛ لأنه سبحانه وتعالى يوضح : إنكم لا بد أن تأخذوا هذه الدنيا على أنها معبر، والذي يتعب الناس أنهم لا يحددون الغاية البعيدة، بل إنهم يحددون الغايات القريبة.
إن من حمق بعض الناس أن يحزن الواحد منهم على فراق حبيب أو قريب له، وخذها بالمنطق : ما غايتنا جميعاً ؟ إنها الموت ونعود إلى خالقنا. وهل عندما نعود إلى خالقنا نحزن ؟ لا، بل يجب أن نسر ؛ لأننا في الدنيا مع الأسباب، أما بعد أن ننتقل إلى الآخرة فنكون مع المسبب. ففي الدنيا تكون مع النعمة وستصبح بعد ذلك مع المنعم، فما يحزنك في هذا ؟ إن هذا يحزنك ساعة أن كنت مع النعمة ولم تُراع المنعم، لكن لو كنت مع النعمة وراعيت المنعمَ لسررت أنك ذاهب للمنعم.
وإن كانت المسألة هي أن تصل إلى المنعم الحق ونكون في حضانته فلماذا الحزن إذن ؟ ومن الحمق أن بعض الناس لا تعامل الحق سبحانه وتعالى كما يعاملون أنفسهم.