فصل


قال القرطبى :
هذه الآية وقولُه تعالى :﴿ فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ ﴾ [ النجم : ٣٢ ] يقتضي الغَضّ من المُزَكّي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزّاكِي المُزَكَّى من حسنت أفعاله وزكّاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له.
وفي صحيح مسلم " عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمّيت ابنتي بَرّةَ ؛ فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسمّيت بَرّة ؛ فقال رسول الله ﷺ :"لا تُزكّوا أنفسكم الله أعلم بأهل البِر منكم" فقالوا : بِمَ نسميها ؟ فقال :"سمّوها زينب" " فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسَه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسَهم بالنعوت التي تقتضي التزكية ؛ كزكيّ الدين ومُحْيي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئاً.
فأما تزكية الغير ومدحُه له ؛ ففي البخاريّ من حديث أبي بكرة " أن رجلاً ذُكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيراً، فقال النبيّ ﷺ :"وَيْحَك قطعت عنق صاحبك يقوله مراراً إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل أحسِب كذا وكذا إن كان يَرى أنه كذلك وحَسِيبه الله ولا يزكِّي على اللَّهِ أحداً" " فنهى ﷺ أن يُفرِطَ في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكِبْر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال ﷺ :" وَيْحَك قطعت عنق صاحِبك " وفي الحديث الآخر :" قطعتم ظهر الرجل " حين وصفوه بما ليس فيه.


الصفحة التالية
Icon