وعلى هذا تأوّل العلماء قوله ﷺ :" احثوا التراب في وجوه المدّاحين " أن المراد به المدّاحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويَفتنونه ؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحَسَن والأمر المحمود ليكون منه ترغيباً له في أمثاله وتحريضاً للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمدّاح، وإن كان قد صار مادحاً بما تكلم به من جميل القول فيه.
وهذا راجع إلى النيات " والله يعلم المفسِد من المصلِح " وقد مدح ﷺ في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يَحْثُ في وجوه المدّاحين التراب، ولا أمر بذلك.
كقول أبي طالب :
وأبيض يُستسقَى الغمامُ بوجهه...
ثِمَال اليتامى عِصْمة للأراملِ
وكمدح العباس وحسّان له في شعرهما، ومدَحه كعب بن زُهير، ومدح هو أيضاً أصحابه فقال :" إنكم لتَقِلون عند الطمع وتَكْثرون عند الفزع " وأما قوله ﷺ في صحيح الحديث :" لا تُطرُوني كما أطرتِ النصارى عيسى ابن مريم وقولوا : عبد الله ورسوله " فمعناه لا تصفوني بما ليس فيّ من الصفات تلتمسون بذلك مَدْحِي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلّوا.
وهذا يقتضي أن من رفع امرءا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعْتَد آثم ؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ٢٤٦ ـ ٢٤٧﴾. بتصرف يسير.
فائدة
قال الخازن :
ويدخل في هذا المعنى كل من ذكر نفسه بصلاح أو وصفها بزكاء العمل أو بزيادة الطاعة والتقوى أو بزيادة الزلفى عند الله تعالى فهذه الأشياء لا يعلمها إلاّ الله فلهذا قال :﴿ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾. أ هـ ﴿تفسير الخازن حـ ١ صـ ٥٤٤﴾


الصفحة التالية
Icon