واعلم أنه تعالى إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين فهي متيسرة للكل، وأما سائر السور فقد تكون محفوظة وقد لا تكون، وحينئذٍ لا تكون متيسرة للكل.
الحجة الثانية عشرة : الأمر بالصلاة كان ثابتاً، والأصل في الثابت البقاء، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بها للصلاة المشتملة على قراءة الفاتحة، لأن الأخبار دالة على أن سورة الفاتحة أفضل من سائر السور، ولأن المسلمين أطبقوا على أن الصلاة مع قراءة هذه السورة أكمل من الصلاة الخالية عن قراءة هذه السورة، فعند عدم قراءة هذه السورة وجب البقاء على الأصل.
الحجة الثالثة عشرة : قراءة الفاتحة توجب الخروج عن العهدة باليقين، فكانت أحوط فوجب القول بوجوبها للنص والمعقول، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام :
" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، وأما المعقول فهو أنه يفيد دفع ضرر الخوف عن النفس، ودفع الضرر عن النفس واجب ؛ فإن قالوا : فلو اعتقدنا الوجوب لاحتمل كوننا مخطئين فيه، فيبقى الخوف، قلت : اعتقاد الوجوب يورث الخوف المحتمل، واعتقاد عدم الوجوب يورثه أيضاً فيتقابل هذان الضرران، وأما في العمل فإن القراءة لا توجب الخوف، أما تركه فيفيد الخوف، فثبت أن الأحوط هو العمل.
الحجة الرابعة عشرة : لو كانت الصلاة بغير الفاتحة جائزة وكانت الصلاة بالفاتحة جائزة لما كانت الصلاة بالفاتحة أولى ؛ لأن المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز، لكنهم أجمعوا على أن الصلاة بهذه السورة أولى، فثبت أن الصلاة بغير هذه السورة غير جائزة.
الحجة الخامسة عشرة : أجمعنا على أنه لا يجوز إبدال الركوع والسجود بغيرهما، فوجب أن لا يجوز إبدال قراءة الفاتحة بغيرها، والجامع رعاية الاحتياط.


الصفحة التالية
Icon