وكل من لم يرض بحكم الحاكم وطعن فيه وردّه فهي رِدّة يُستتاب.
وأما إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه.
وسيأتي بيان هذا في آخر سورة "الأعراف" إن شاء الله تعالى.
وإذا كان سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث ففِقْهُها أنه عليه السَّلام سلك مع الزّبير وخصمه مَسلك الصَّلح فقال :" اسق يا زُبير " لقربه من الماء " ثم أرسل الماء إلى جارك " أي تساهل في حقك ولا تستوفه وعجّل في إرسال الماء إلى جارك.
فحضّه على المسامحة والتيّسير، فلما سمع الأنصاريّ هذا لم يرض بذلك وغضب ؛ لأنه كان يريد ألاّ يُمَسك الماء أصلاً، وعند ذلك نَطَقَ بالكلمة الجائرة المُهلِكة الفاقرة فقال : آن كان ابن عمتك ؟ بمد همزة "أن" المفتوحة على جهة الإنكار ؛ أي أتحكم له عليّ لأجل أنه قرابتك ؟.
فعند ذلك تلوّن وجه النبيّ ﷺ غضباً عليه، وحكم للزّبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له.
وعليه لا يُقال : كيف حَكَم في حال غضبه وقد قال :" لا يقَضِي القاضي وهو غضبان " ؟ فإنا نقول : لأنه معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل الدالّ على صدقه فيما يبلّغه عن الله تعالى فليس مثل غيره من الحكام.
وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم وإن ظَهَر الحقّ.
ومنعه مالك، واختلف فيه قول الشافعي.
وهذا الحديث حجة واضحة على الجواز ؛ فإن اصطلحوا وإلاِّ استوفى لذي الحق حقّه وَثَبتَ الحكم. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ٢٦٦ ـ ٢٦٨﴾. بتصرف يسير.


الصفحة التالية
Icon