وطعن القاضي في هذا القول وقال : إنه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين :﴿قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى، ومثل هذا الكلام إنما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم :﴿كَأَن لَّمْ تَكُنِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ﴾ يعني الرسول :﴿مَّوَدَّةَ﴾ فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين، وإنما يمكن حمله على المنافقين، ثم قال : فإن حمل على أنه من الإبطاء والتثاقل صح في المنافقين، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم، فقد كان يثبطون كثيراً من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس، فكلا الوصفين موجود في المنافقين، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ، فجعلوا الأول لازما، والثاني متعدياً، كما يقال في أحب وحب، فإن الأول لازم والثاني متعد. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ١٤٢ ـ ١٤٣﴾
وقال ابن عاشور :
وقوله :﴿ وإنَّ مِنكم لمن ليبطّئنّ ﴾ أي من جماعتكم وعدادكم، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنَّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول :"قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً"، فهؤلاء منافقون، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله :﴿ بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً ﴾ إلى قوله :﴿ الذين يتربّصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ﴾ [ النساء : ١٣٨ ١٤١ ].
وعلى كون المراد بـ ﴿ من ليبطّئنّ ﴾ المنافقين حمَل الآية مجاهد، وقتادة، وابن جريج.