ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس باثبات قوله عليه الصلاة والسلام :" لا صلاة الا بطهور ولا نكاح الا بولي " ويقال : لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم.
الخامس : قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة : تقدير الآية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا، الا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا، قال : والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا، الا أن يكون خطأ فإنه لا يخرجه عن كونه مؤمنا.
واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن، وهو أصل باطل، والله أعلم.
القول الثاني : أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن، ونظيره في القرآن كثير.
قال تعالى :﴿لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة﴾ [ النساء : ٢٩ ] وقال :﴿الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم﴾ [ النجم : ٥٣ ] وقال :﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما﴾ [ الواقعة : ٢٥، ٢٦ ] والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ١٨١ ـ ١٨٢﴾
وقال ابن الجوزى :
وقال بعضُ أهل المعاني : تقديرُ الآية : لكن قد يقتله خطأ، وليس ذلك فيما جعل الله له، لأن الخطأ لا تصح فيه الإِباحة، ولا النهي.
وقيل : إِنما وقع الاستثناء على ما تضمنته الآية من استحقاق الإثم، وإِيجاب القتل. أ هـ ﴿زاد المسير حـ ٢ صـ ١٦٣﴾
وقال ابن عطية :
قال جمهور المفسرين : معنى هذه الآية : وما كان في إذن الله وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمناً بوجه، ثم استثنى منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكون فيه إلا بمعنى لكن، والتقدير لكن الخطأ قد يقع.
وهذا كقول الشاعر [ الهذلي ] :[ البسيط ]
أَمْسى سَقَامُ خَلاءً لاَ أَنيسَ بِهِ... إلاّ السِّباعُ وإلاَّ الرّيحُ بِالغُرَفِ