وحمل جماعة مراد ابن عبّاس على قصد التهويل والزجر، لئلاّ يجترىء الناس على قتل النفس عمداً، ويرجون التوبة، ويَعْضُدون ذلك بأنّ ابن عباس رُوي عنه أنّه جاءه رجل فقال :"ألِمَنْ قتل مؤمناً متعمّداً توبة" فقال :"لاَ إلاّ النار"، فلمّا ذهب قال له جلساؤه "أهكذا كنت تفتينا فقد كنت تقول إنّ توبته مقبولة" فقال :"إنّي لأحْسِبُ السائل رجلاً مغضَباً يريد أن يقتل مؤمناً"، قل : فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك.
وكان ابن شهاب إذا سألَه عن ذلك من يَفْهَم مِنْه أنّه كان قَتل نفساً يقول له :"توبتُك مقبولة" وإذا سأله من لم يقتل، وتوسّم من حاله أنّه يحاول قتلَ نفس، قال له : لا توبةَ للقاتل.
وأقول : هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفسّرين كما علمت، وملاكه أنّ ما ذكره الله هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحدّ المألوف من الإغلاظ، فرأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل، لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلودَ حقيقة، بخلاف بقية آي الوعيد، وكأنّ هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في اعتبار هذه الآية محكمةً أو منسوخة، لأنّهم لم يجدوا مَلْجأ آخرَ يأوُون إليه في حملها على ما حُملت عليه آيات الوعيد : من محامِل التأويل، أو الجمععِ بين المتعارضات، فآووا إلى دَعوى نسخخِ نصّها بقوله تعالى في سورة الفرقان ( ٦٨، ٦٩ ) :
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ إلى قوله ﴿ إلاّ من تاب ﴾ لأنّ قوله : ومن يفعل ذلك إمّا أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة، فإذا كان فاعل مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمداً أجدر، وإمّا أن يراد فاعل واحدة منها فالقتل عمداً مما عُدَّ معها.
ولذا قال ابن عباس لسعيد بن جبير : إنّ آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء.


الصفحة التالية
Icon