ومن العجب أن يقال كلام مثل هذا، ثم أن يُطال وتتناقله الناس وتمرّ عليه القرون، في حين لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة.
وذهب فريق إلى الجواب بأنّها نُسخت بآية :﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء : ٤٨ ]، بناء على أنّ عموم ﴿ من يشاء ﴾ نَسَخ خصوصَ القتل.
وذهب فريق إلى الجواب بأنّ الآية نزلت في مِقْيَسٍ بن صُبابة، وهو كافر فالخلود لأجل الكفر، وهو جواب مبني على غلط لأنّ لفظ الآية عامّ إذ هو بصيغة الشرط فتعيّن أنّ "من" شرطية وهي من صيغ العموم فلا تحمل على شخص معيّن ؛ إلاّ عند من يرى أنّ سبب العامّ يخصّصه بسببه لا غيرُ، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه.
وهذه كلّها ملاجىء لا حاجة إليها، لأنّ آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها، حتّى بلغت حدّ النصّ المقطوع به، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلّها حتّى الكفر.
على أنّ تأكيد الوعيد في الآية إنّما يرفع احتمال المجاز في كونه وعيداً لا في تعيين المتوعّد به وهو الخلود.
إذ المؤكّدات هنا مختلفة المعاني فلا يصحّ أن يعتبر أحدها مؤكّداً لمدلول الآخر بل إنّما أكَّدت الغرض.
وهو الوعيد، لا أنواعه.
وهذا هو الجواب القاطع لهاته الحيرة.
وهو الذي يتعيّن اللجأ إليه، والتعويل عليه. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ٢٢٢ ـ ٢٢٤﴾


الصفحة التالية
Icon