قال العلماء : أهل الضرر هم أهل الأعذار إذْ قد أضرّت بهم حتى منعتهم الجهاد.
وصح وثبت في الخبر أنه عليه السَّلام قال وقد قفل من بعض غزواته :" إن بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادِياً ولا سِرتم مسِيراً إلاَّ كانوا معكم أُولئك قوم حبسهم العذر " فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي ؛ فقيل : يحتمل أن يكون أجره مساوياً، وفي فضل الله متّسع، وثوابه فضل لا استحقاق ؛ فيثيب على النية الصادقة ما لا يثبت على الفعل.
وقيل : يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة. والله أعلم.
قلت : والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك "إن بالمدينة رجالاً" ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله عليه السَّلام :" إنما الدنيا لأربعة نفر " الحديث وقد تقدم في سورة "آل عمران".
ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر :" إذا مرِض العبد قال الله تعالى : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إليّ ". أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ٣٤١ ـ ٣٤٢﴾.
فصل
قال الفخر :
قرىء ﴿غَيْرُ أُوْلِى الضرر﴾ بالحركات الثلاث في ﴿غَيْرِ﴾ فالرفع صفة لقوله :﴿القاعدون﴾ والمعنى لا يستوي القاعدون المغايرون لأولي الضرر والمجاهدون، ونظيره قوله :﴿أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة﴾ [ النور : ٣١ ] وذكرنا جواز أن يكون ﴿غَيْرِ﴾ صفة المعرفة في قوله :﴿غَيْرِ المغضوب﴾ [ الفاتحة : ٧ ] قال الزجاج : ويجو أن يكون ﴿غَيْرِ﴾ رفعاً على جهة الاستثناء، والمعنى لا يستوي القاعدون والمجهدون إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر، والكلام في رفع المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله :﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ﴾ [ النساء : ٦٦ ]
وأما القراءة بالنصب ففيها وجهان.
الأول : أن يكون استثناء القاعدين، والمعنى لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، وهو اختيار الأخفش.