والذي عندي في هذا الباب أن يقال : إن كلمة ( إذا ) وكلمة ( إن ) لا يفيدان إلا كون الشرط مستعقباً لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لازم، بدليل أنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة وقع الطلاق، وإذا دخلت الدار ثانياً لا يقع وهذا يدل على أن كلمة ( إذا ) وكلمة ( إن ) لا يفيدان العموم ألبتة، وإذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر بالآية، فإن الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه الرخص وعندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلاً، فأما السفر القصير فإنما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة ( إذا ) للعموم، ولما ثبت أنه ليس الأمر كذلك فقط سقط هذا الاستدلال، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة صحيحة، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ١٦ ـ ١٨﴾

فصل جامع للإمام القرطبى


قال عليه الرحمة :
واختلف العلماء في حدّ المسافة التي تقصر فيها الصلاة ؛ فقال داود : تقصر في كل سفر طويل أو قصير، ولو كان ثلاثة أميال من حيث تؤتى الجمعة ؛ متمسكاً بما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد الهُنَائي قال : سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال : كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرةَ ثلاثةِ أميال أو ثلاثةِ فراسخ شُعْبَةُ الشاكُّ صلّى ركعتين.
وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما فلعلّه حدّ المسافة التي بدأ منها القصر، وكان سفراً طويلاً زائداً على ذلك، والله أعلم.
قال ابن العربي : وقد تلاعب قوم بالدِّين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره قصر وأكل، وقائل هذا أعجميٌّ لا يعرف السفر عند العرب أو مستخفٌّ بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمُؤخّر عيني، ولا أُفكر فيه بفضول قلبي.


الصفحة التالية
Icon