لطيفة
قال الزمخشرى :
فإن قلت : معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء ؟
قلت : معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزمر : ٩ ] أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم. أ هـ ﴿الكشاف حـ ١ صـ ٥٥٣ ـ ٥٥٤﴾
فصل
قال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ قال ابن عباس : لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها.
ثم قال :﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ والضّرَر الزَّمَانة.
روى الأئمة واللفظ لأبي داود " عن زيد بن ثابت قال : كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشِيته السكينة فوقعت فخِذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثِقل شيء أثقل من فخذ رسول الله ﷺ، ثم سُرِّي عنه فقال :"اكتب" فكتبت في كَتِف "لا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالمْجَاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ الله" إلى آخر الآية ؛ فقام ابن أُم مكتوم وكان رجلاً أعمى لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشِيت رسول الله ﷺ السكينة فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرّة الثانية كما وجدت في المرّة الأولى، ثم سري عن رسول الله ﷺ فقال :"اقرأ يا زيد" فقرأت ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ فقال رسول الله ﷺ :﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ الآية كلها.
قال زيد : فأنزلها الله وحدها فألحقتها ؛ والذي نفسي بيده لكأنِّي أنظر إلى ملحقها عند صَدْع في كَتِف " وفي البخارِي عن مِقسم مولى عبد الله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول :﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر.