إذن فقوله الحق :﴿ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ أي أنه احتمل أمراً عجيباً يبهت السامع ويتعجب كيف حدث ذلك. ويحتمل من يفعل ذلك الإثمَ أيضاً.
والإثم - كما عرفنا - هو السيئة المتعمَّدة. ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه القضية : إن الله سبحانه وتعالى يحوطك يا محمد بعنايته وبرعايته وبفضله، وإن حاول بعض من قليلي الإيمان أن يخرجوك عن هذه المسألة، وأن يزينوا لك أن تبرئ مذنباً لتجرم آخر بريئاً وإن كان المذنب مسلماً وإن كان البريئ غير مسلم، والله لم يرسل محمداً ليحكم بين المؤمنين فقط، ولكن صدر هذه الآية يوضح لنا أن الله أرسل محمداً ليحكم بين المؤمنين فقط، ولكن صدر هذه الآية يوضح لنا أن الله أرسل رسوله ليحكم بالحق :" لتحكم بين الناس " أي ليحكم بين الناس على إطلاقهم.
فإياك حين تحكم أن تقول : هذا مسلم وذلك كافر. أو تقول : هذا مسلم وذلك من أهل الكتاب، بل كل الناس أمام قضايا الحق سواء.
ولذلك أخذ الرسول ﷺ تلك الجرعة الإيمانية التي جاءت بها حادثة من الحوادث ليقول بعد ذلك في قصة المخزومية حينما سرقت وأراد أن يقيم عليها الحد، وكلّمه حبيبه أسامة بن زيد في أن يرفع عنها الحد، فقال رسول الله :
" عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : مَنْ يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا : ومن يجرؤ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ، فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : أتشفع في حد من حدود الله ؟! ثم قام فاختطب فقال :" أيها الناس : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ".
هذا القول مستخلص من القضية السابقة. أ هـ ﴿تفسير الشعراوى صـ ٢٦١٨ ـ ٢٦٢٢﴾