وقال الطبرى :
يعني بقوله جل ثناؤه :"ولولا فضل الله عليك ورحمته"، ولولا أن الله تفضل عليك، يا محمد، فعصمك بتوفيقه وتبيانه لك أمر هذا الخائن، فكففت لذلك عن الجدال عنه، ومدافعة أهل الحق عن حقهم قِبَله"لهمت طائفة منهم"، يقول : لهمت فرقة منهم، يعني : من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم"أن يضلوك"، يقول : يزلُّوك عن طريق الحق، وذلك لتلبيسهم أمر الخائن عليه ﷺ، وشهادتهم للخائن عنده بأنه بريء مما ادعى عليه، ومسألتهم إياه أن يعذره ويقوم بمعذرته في أصحابه، فقال الله تبارك وتعالى : وما يضل هؤلاء الذين هموا بأن يضلوك عن الواجب من الحكم في أمر هذا الخائن درعَ جاره، "إلا أنفسهم".
فإن قال قائل : ما كان وجه إضلالهم أنفسَهم ؟
قيل : وجهُ إضلالهم أنفسهم : أخذُهم بها في غير ما أباح الله لهم الأخذَ بها فيه من سبله. وذلك أن الله جل ثناؤه قد كان تقدّم إليهم فيما تقدّم في كتابه على لسان رسوله إلى خلقه، بالنهي عن أن يتعاونوا على الإثم والعدوان، والأمر بالتعاون على الحق. فكان من الواجب لله فيمن سعى في أمر الخائنين الذين وصف الله أمرهم بقوله :"ولا تكن للخائنين خصيمًا"، معاونة من ظلموه، دون من خاصمهم إلى رسول الله ﷺ في طلب حقه منهم. فكان سعيهم في معونتهم، دون معونة من ظلموه، أخذًا منهم في غير سبيل الله. وذلك هو إضلالهم أنفسهم الذي وصفه الله فقال :"وما يضلون إلا أنفسهم". أ هـ ﴿تفسير الطبرى حـ ٩ صـ ١٩٩ ـ ٢٠٠﴾
وقال الآلوسى :
﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بإعلامك بما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق، وقيل : لولا فضله بالنبوة ورحمته بالعصمة، وقيل : لولا فضله بالنبوة ورحمته بالوحي ؛ وقيل : المراد لولا حفظه لك وحراسته إياك.


الصفحة التالية