ومعنى ﴿ لا خير ﴾ أنّه شرّ، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه، لعدم الاعتداد بالواسطة، كقوله تعالى :﴿ فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال ﴾ [ يونس : ٣٢ ]، ولأنّ مقام التشريع إنّما هو بيان الخير والشرّ.
وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو مُتناجيِهم، فعلم من مفهوم الصفة أنّ قليلاً من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ٢٥٢ ـ ٢٥٣﴾
فصل
قال الفخر :
قوله ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿مِنْ﴾ وجوهاً، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب ؛ لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصباً كقوله ﴿إِلاَّ أَذًى﴾ [ آل عمران : ١١١ ] ويجوز أن يكون رفعاً في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله :
إلا اليعافير وإلا العيس.. وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال : التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف، وعلى هذا التقدي يكون ﴿مِنْ﴾ في محل النجوى لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان : إحدهما : الخفض بدل من نجواهم، كما تقول : ما مررت بأحد إلا زيد.
والثاني : النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيداً، وهذا استثناء الجنس من الجنس، وأما ان جعلنا النجوى اسماً للقوم المتناجين كان منصوباً على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ﴾ في محل الخفض من وجهين : أحدهما : أن تجلعه تبعاً لكثير، على معنى : لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك : لا خير في القوم إلا نفر منهم.
والثاني : أن تجعله تبعاً للنجوى، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد، إن شئت أتبعت زيداً الجماعة، وإن شئت أتبعته القوم، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ٣٣﴾