وقال ابن عاشور :
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾
الأظهر أنّ الواو للحال من ضمير ﴿ يدخلون الجنّة ﴾ [ النساء : ١٢٤ ] الذي ما صْدَقُه المؤمنون الصالحون، فلما ذكر ثواب المؤمنين أعقبه بتفضيل دينهم.
والاستفهامُ إنكاري.
وانتصب ﴿ دينا ﴾ على التمييز.
وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية، وهو أحسن الكنايات، لأنّ الوجه أشرف الأعضاء، وفيه ما كان به الإنسان إنساناً، وفي القرآن ﴿ فقُل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعني ﴾ [ آل عمران : ٢٠ ].
والعرب تذكر أشياء من هذا القبيل كقوله :﴿ لنسفعن بالناصية ﴾ [ العلق : ١٥ ]، ويقولون : أخذ بساقه، أي تمكن منه، وكأنّه تمثيل لإمساك الرعاة الأنعام.
وفي الحديث " الطلاق لمن أخذ بالساق ".
ويقولون : ألقى إليه القياد، وألقى إليه الزمام، وقال زيد بن عمرو بن نفيل :
يَقُولُ أنفي لكَ عَاننٍ رَاغِم...
ويقولون : يدي رهن لفلان.
وأراد بإسلام الوجه الاعتراف بوجود الله ووحدانيته.
وقد تقدّم ما فيه بيان لهذا عنا، قوله تعالى :﴿ إنّ الدين عند الله الإسلام ﴾ [ آل عمران : ١٩ ] وقوله :﴿ وأوصى بها إبراهيم بنيه ﴾ [ البقرة : ١٣٢ ].
وجملة "وهو محسن" حال قصد منها اتّصافه بالإحسان حين إسلامه وجهَه لله، أي خلع الشرك قاصداً الإحسان، أي راغباً في الإسلام لِمَا رأى فيه من الدعوة إلى الإحسان.
ومعنى ﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ أنه اتّبع شريعة الإسلام التي هي على أُسس ملّة إبراهيم.
فهذه ثلاثة أوصاف بها يكمل معنى الدخول في الإسلام، ولعلّها هي : الإيمان، والإحسان، والإسلام.
ولك أن تجعل معنى ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ أنّه دخل في الإسلام، وأنّ قوله :﴿ وهو محسن ﴾ مخلص راغب في الخير، وأنّ اتّباع ملّة إبراهيم عني به التوحيد. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ٢٦٢ ـ ٢٦٣﴾