قوله تعالى ﴿حَنِيفاً﴾
فصل
قال الفخر :
وأما قوله ﴿حَنِيفاً﴾ ففيه بحثان : الأول : يجوز أن يكون حالاً للمتبوع، وأن يكون حالاً للتابع، كما إذا قلت : رأيت راكباً، فإنه يجوز أن يكون الراكب حالاً للمرئي والرائي.
البحث الثاني : الحنيف المائل، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها، لأن ما سواه باطل، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن، وتحقيق الكلام فيه أن الباطل وإن كان بعيداً من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريباً من الباطل الذي يجانسه، وأما الحق فإنه واحد فيكون مائلاً عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة.
فإن قيل : ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام نفس شرع إبراهيم، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مستقلة، وأنتم لا تقولون بذلك.
قلنا : يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة والسلام مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ٤٦﴾
قوله تعالى ﴿واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً﴾
فصل
قال الفخر :
في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجهان :
الأول : أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه الله خليلاً كان جديراً بأن يتبع خلقه وطريقته.
والثاني : أنه لما ذكر ملة إبراهيم ووصفه بكونه حنيفاً ثم قال عقيبه ﴿واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً﴾ أشعر هذا بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلاً لأنه كان عالماً بذلك الشرع آتياً بتلك التكاليف، ومما يؤكد هذا قوله ﴿وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [ البقرة : ١٢٤ ] وهذا يدل على أنه سبحانه إنما جعله إماماً للخلق لأنه أتم تلك الكلمات.